Skip links

الإصلاح السياسي… مصر في مفترق الطرق


المعوقات الاجتماعية والسياسية والثقافية:

إننا نعتقد أن جوهر الأمن السياسي والاجتماعي للبشر في أي مجتمع هو أن يعيش الفرد في دولة مدنية حديثة ديمقراطية، تحترم الحقوق والحريات العامة والفردية للإنسان. والدولة المدنية سواء كانت قديمة أو حديثة هي دولة لا عسكرية يقودها ويحكمها العسكر، ولا هي دولة دينية ينعدم فيها الفصل بين الدين والدولة، ولا تكون فيها المؤسسة ذات سلطة تنفيذية أو تشريعية تسيطر على حياة أو فكر المجتمع. ومن باب أولى، لا تتدخل في شئون القضاء والإعلام والثقافة والتعليم. الدولة المدنية هي الدولة التي يحكمها دستور يتم إقراره في جمعية وطنية تأسيسية تبني على إقرار قاعدة حقوق المواطنة، وصنع القرار على أساس من الحريات والحقوق في ظل المساواة الكاملة بغض النظر عن دين وجنس ولون المواطن.

والدولة المدنية هي تلك الدولة التي يستمتع فيها المواطنون بحياة نيابية حقيقية نظيفة ونزيهة، وتتوافر فيها حرية الفكر والعقيدة والتعددية السياسية والانتخاب الحر المباشر، هي تلك الدولة التي يشرع لها برلمان ديمقراطي، حيث يملك المواطنون فيها حق تأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات والصحف بحرية كاملة وضمانات كافية لحمايتها دستورياً وقانونياً، ولكننا في هذه الورقة الموجزة سنركز على بعض الجوانب من مشهد معوقات الدولة المدنية الحديثة خاصةً في بلداننا العربية وبالتالي في مصر.

أولاً إشكاليات المفاهيم- المعوقات المجتمعية ذات الأبعاد الثقافية:

1- تعاني المجتمعات العربية حالة من التخلف العام والتأخر عن ركب التقدم، وتعاني من نسبة متميزة من الفقر والأمية مما يحول دون الوعي بحقوق الإنسان.

2- تعاني المجتمعات العربية من أنساق القيم والتقاليد والعادات التي تتميز بالخنوع والاتكالية، حيث عاشت لقرون طويلة تحت الهيمنة الاستبدادية للحكم المملوكي والعثماني والاستعمار الغربي، مع سيطرة المفاهيم الدينية التي خلقت مجتمعاً بطريركياً للسلطة- من أي نوع كانت- اليد العليا الروحية والحياتية على الإنسان وللسلطة هنا- ذات الطابع الاستبدادي الشرقي المتميز- الدولة والأب في الأسرة وكبير العائلة والقبيلة ورئيس المؤسسة حتى لو كانت غير حكومية وحتى لو كانت مؤسسة من أجل حقوق الإنسان- نفوذ متميز، يعوق بشكل واضح سير أي عملية ديمقراطية، بل ويعوق القدرة على الخلق والإبداع ومن ثم التغيير إلى الأفضل.

3- إذا كان للمؤسسة الدينية من دور، فإنما هو دور منع إعمال العقل وتكريس حالة من التأخر تصل إلى حد الرغبة في تثبيت ووقف عجلة الزمن، وتأييد مفاهيم عفا عليها الزمن.

4- الأخطر من المؤسسة الدينية هو دور السلطات الحاكمة التي دأبت على استعمال الدين كأحد أدوات السيطرة على الشعوب وتثبيت حكمهم حتى اختلطت في بعض البلدان المؤسسة الحاكمة بالمؤسسة الدينية.

5- تعاني بلداننا الآن من تلك الموجة الرجعية من الإسلام السياسي، والتي تسعى إلى استقطاب المجتمعات العربية إلى العودة للوراء وردة على جميع المستويات، وأخطر ما تقودون إليه هو التطرف والتعصب الديني وكراهية أبناء الوطن الواحد لبعضهم البعض بسبب الاختلاف في الدين، ويصبح هؤلاء المتعصبون هم ملاك الحقيقة المطلقة، ومن ثم قيادة مجتمعاتنا إلى الجمود الفكري والتمسك بالقوالب الدينية في كل شئ.

6- سيادة المفاهيم التي تميز بين الناس، حيث ينحط وضع المرأة في المجتمعات العربية ويتدنى إلى الخدمة المنزلية، ويعامل المواطن من دين آخر كمواطن من الدرجة الثانية أو غير مرغوب في بقائه في بعض الأحوال.

7- يترتب على ما سلف مسألتان هامتان، الأولى على مستوى الدول حيث يرفض البعض منها التوقيع على الاتفاقيات الدولية في شأن مساواة النساء بالرجال، أو منع التمييز ضد المرأة.

ومن الناحية الثانية فإن جمهرة من المثقفين المتعلمين ترفض أو تتحسس من مسألة حقوق الإنسان باعتبارها نتاج غربي، بل ويذهب البعض في جرأة- وهم من متعاطي الثقافة والثقافة الغربية خاصة- إلى اعتبار حقوق الإنسان “حصان طروادة” الجديد للغرب الإمبريالي الذي يسعى إلى نمط استعماري جديد.

وهنا تبرز عيوب الخلط بين حكومات وشعوب الغرب، فالكل في سلة واحدة- من وجهة نظر مثقفينا- والخلط عن جهل بين تحليلاتهم السياسية وبين هذا الوافد الجديد المسمي “بحقوق الإنسان.

بالقطع فإن الدول- الحكومات- تسعى وستسعى دائماً لاستخدام أية أوراق من أي نوع كانت لتكريس الهيمنة والسيطرة سواء على المستوى الوطني المحلي أو على المستوى العالمي، فما تفعله بعض حكومات الغرب ذات النفوذ العالمي، تقوم بع أضعف الحكومات في أصغر بلدان العالم الثالث، وهي استخدام حقوق الإنسان للتجمل بها وإدعاء احترامها، فأين العيب هنا؟ في حقوق الإنسان أم في الحكومات؟ وهل للفكر الإنساني والسياسي حدود جغرافية إذا تخطاها عد هذا استعمار أو انتهاك للسيادة الوطنية؟

إننا نعتبر أن ظاهرة حقوق الإنسان الجديدة فكراً وحركة هي صدام تاريخي وحضاري بين الجديد والقديم، إنها صدام لأفكارنا ومعتقداتنا، وتقاليدنا، وعاداتنا، صدام للدولة والمؤسسة الدينية معاً، صدم للمجتمع ومثقفيه على قدم المساواة.

8- لا يغيب عن البال في نمط المعوقات المجتمعية في المنطقة العربية كمناطق أخرى في العالم، سيادة الولاءات القبلية والإثنية والأسرية وجميعها يعوق التربية على حقوق الإنسان والديمقراطية، فلا تدور انتخابات في أي مجتمع عربي على مستوى أية مؤسسة حتى لو كانت نقابة إلى الولاءات ذات الطابع القبلي- التحزب السياسي والمجتمعي هي صاحبة اليد العليا.

9- إشكالية التفاوت الهائل في الدخول المالية والاجتماعية بسبب الفارق في توزيع الثروات بما يؤدي إلى انعدام العدالة الاجتماعية أصلاً، ويصبح الحديث مع الفقراء عن حقوق الإنسان والمساواة بين البشر والمواثيق الدولية مجرد لغو ومثل طوباوية مفرغة من أي محتوى.

10- غموض مفاهيم حقوق الإنسان ذاتها لدى المثقفين والمفكرين حتى القانونيين منهم، ولا نبالغ إذا قلنا لدى كثير من نشطاء حقوق الإنسان أنفسهم.
11- المؤسسة التعليمية وكذا الإعلامية على المستوى العربي وما تلقنه وتضخه من أفكار وعادات تتنافى مع حقوق الإنسان وقوة ونفوذ هاتين المؤسستان تمثلان حائط صد أمام تنامي الوعي بمفاهيم وثقافة حقوق الإنسان.

ثانياً: إشكالية الحركة- المعوقات السياسية

قد يعتقد البعض أ، المعوقات السياسية أمام حركة حقوق الإنسان والمجتمع المدني تـأتي من طرف واحد وهو السلطة، ولكننا نرى أن ثمة طرفين يمثل كل منهما عنصراً متميزاً في خلق وتكريس المعوقات السياسية أمام تلك الحركة. السلطة الحاكمة أولا ويتنافس معها في الدرجة الثانية الحركة السياسية والمثقفون ذاتهم.

1. السلطة السياسية الحاكمة

– عاشت بلداننا وما تزال تحت وطأة شعارات وطنية زاعقة مالت في أغلبها إلى منحدر الشوفينية، واتسمت بدرجة متميزة من الديماغوجية، فاختلط فيها الغث والسمين في مسألة استقلال الوطن وفي أحلك أزمنة التبعية ادعت تلك الدولة أنها الأمينة على استقلال الوطن وحامية حمى السيادة الوطنية، واستخدمت الدولة سلاح “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” لإخماد مطالب الإصلاح الديمقراطي السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

– أفرزت تلك الأنظمة- وهي الغالبية العظمى- منطق الحزب الواحد، وفي أحسن الأحوال حتى في ظل التعددية الحزبية، هناك حزب الأغلبية الحاكمة المهيمن على مقاليد كل الأمور، وأهمها سلطة صناعة صناعة القرار، وترتب دائماً على تلك الأنظمة وهذا المنطق غياب أي مشاركة شعبية، غياب حرية التعبير عن الرأي بغالبية صورها، وغياب أي مشاركة شعبية، غياب حرية التعبير عن الرأي بغالبية صورها، وغياب حق التنظيم وتكوين الجمعيات المستقلة، مما أدى إلى الضعف الفاضح في قدرة المجتمعات والأفراد على المبادرة الجماعية، أو الفردية وأصبحنا أمام مجتمع أعزل لا يملك الدفاع عن استقلال الوطن ولا يملك الدفاع عن الحقوق والحريات الديمقراطية.

– ضعف وقصور الدساتير العربية وترسانة القوانين المقيدة للحريات والتي يعلو فيها منطق الحفاظ على الأمن الداخلي، بل لا نبالغ إذا اعتبرنا الأنظمة القانونية العربية- بما فيها من قدرة على الإلفاف والمداورة- متخمة بما يعوق إنفاذ المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

– اتجاه بعض بلداننا إلى التصديق على بعض اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية- دون إيمان بما ورد فيها- إنما من باب التحرك الدبلوماسي في المحافل الدولية، واستخدمها كجزء من ديكور الدولة العصرية التي تحترم حقوق الإنسان، ومن بعض البلدان لسحب البساط من تحت حركة حقوق الإنسان الوليدة.

2. الحركة السياسية والمثقفون

على الرغم من نشوء حركة جديدة في مجتمعاتنا خاصة خلال الثمانينات، وعلى الرغم من أن إرهاصاتها تبشر بمستقبل حقيقي لمجتمع مدني ورغم كل ما سلف، إلا أن مثقفي هذه الأمة وخاصة السياسيون منهم وكأنهم قد تعاهدوا على أن يصبحوا معهم إلى أي مؤسسة جديدة أمراضهم السياسية التنظيمية والفكرية.

وبات الأمر شديد التعقيد في إمكان حل هذه المعضلة، فمن ضمن أفق ودوجمائية تخلط بين المفاهيم السياسية والفكرية القديمة وبين المفاهيم الجديدة في الحياة، إلى استخدام ذات أساليب الشللية والحلقية في الحركة والتنظيم. فتجد نفسك مثلاً بإزاء أشخاص يديرون مؤسسات لحقوق الإنسان يتحدثون كثيراً عنها وعن الديمقراطية بينما هم يخشون تطبيق الديمقراطية بينما هم يخشون تطبيق الديمقراطية- سواء في إدارة هياكل المؤسسة أو مع عضوية المؤسسة إذا كانت من المنظمات ذات العضوية- خشيتهم من الموت ويضيقون تفاصيل الحركة والعمل والخبرة والعلاقات إلى حد اختزالها في أشخاصهم، وإذا طبقوا الديمقراطية- من وجهة نظرهم- فيكون ذلك في الدائرة المصطفاة والمختارة من العلاقات التي يتم انتقاؤها على هواهم الشخصي، ويصبح الأمر أننا إزاء ديكتاتور صغير، جديد في كل مؤسسة، والحجة الدائمة لكل ديكتاتور أنه يضيق من مساحة الديمقراطية لصالح حماية المؤسسة، مرة من الأمن ومرة أخرى من الجماعات الدينية المعادية لحقوق الإنسان ومرة أخرى من العاملين في ذات حركة حقوق الإنسان ولكنهم أصحاب وجهة نظر أخرى أو يخشى منهم في المنافسة والمشكلة الحقيقية أن تلك النماذج حاملة الأمراض السياسية، والتنظيمية المتحركة على الأرض، أنها تعطينا الوجه الآخر لملكية الحقيقة المطلقة، بل أن كل منهم هو الوحيد الأمين على الصالح العام للمؤسسة ومن ثم الوطن!

يظل أنه بسبب المناخ السياسي فإن الحركة السياسية وحركة المثقفين ما تزال حركة نخبوية في أغلبها، منحصرة في دائرة معينة من وجهاء المثقفين بل وأصحاب الوظائف العليا السابقين، يزاحمهم مناضلون في مرحلة الشباب من مشارب مختلفة من هنا وهناك.

ولما كان الأمر في دائرة النخبة، فإن داءها العضال عبر التاريخ هو الانعزالية والتعالي الفكري والثقافي والسياسي سواء عن قصد أو دون قصد، فقد اعتاد هذا النمط من المثقفين السياسيين على خلق سياج من العزلة حول أنفسهم، ثم يبدءون في التباكي على هذا السياج، ويخلطون بين العزلة التي يفرضها النظام السياسي والأمني عليهم بل وضعف ثقافة المجتمع وانحطاط قيمه وبين انعزاليتهم هم أنفسهم.

إذن يكمن الخطر في كل ما سلف، أن تتعرض حركة المجتمع المدني لكل المخاطر والأمراض التي تعرضت لها الحركات السياسية السابقة والحالية من الأحزاب والنقابات.. وتصبح مؤسساته ضعيفة سهلة الابتلاع أو ضعيفة قابلة للضغط عليها من السلطات الحاكمة، وفي كلا الحالتين تقع تحت يد انتهازيين من طراز جديد متميز. ونصبح في الحال أمام وجود اسمي لمؤسسات المجتمع المدني.
ويكاد الواقع العربي الذي أسلفنا الإشارة إلى بعض أوضاعه يمثل بذاته- دون أية انتهاكات- من قبل أية سلطة تحدياً حقيقياً أمام العقل العربي والمثقفين العرب وكافة القوى السياسية الديمقراطية. ويكاد السعي للدولة المدنية الحديثة وتحديث العقل العربي والتغيير أشبه بالقبض على الجمر أو بالتبشير بوعي جديد، ولا نبالغ إن قلنا وكأنه تبشير بدين جديد.
لذلك نعتقد بأن الفكرة المركزية في خلق دولة مدنية حديثة هي في المواجهة الشاملة مع الذات، واقعنا الذاتي والتي نعنى بها: المواجهة الشاملة مع واقعنا الاجتماعي المتخلف فكرياً وثقافياً، وسياسيا.

– المواجهة الشاملة مع أمراض الحركات السياسية الفكرية والتنظيمية.
– المواجهة الشاملة ضد كل أنواع انتهاك حقوق الإنسان، لا تفرقة بين حق تكوين الأحزاب ومنع التعذيب وبين حق المرأة في المساواة الكاملة مع الرجل، لا فرق بين الحقوق المدنية والسياسية وبين الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
– المواجهة الشاملة مع منتهكي حقوق الإنسان لا تفرقة بين السلطة وبين الجماعات السياسية أو غير السياسية من خارج السلطة.
– إقرار دولة القانون الدستورية حيث استقلال السلطة التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية العسكرية والأمنية حقيقة لا مواربة أو التفاف فيها. وحيث الصحافة والأحزاب والنقابات والجمعيات كيانات مدنية وشعبية مصونة كافة حقوقها وحرياتها.

· الخلاصة أن الدولة المدنية الحديثة هي دولة يحترم فيها الإنسان، حريته وكرامته، وتصان فيها خصوصيته، وهي دولة تحمي وتضمن كافة الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمواطنين كافة دون تفرقة أو تمييز بأي صورة من الصور.

ثالثا: نحو الاصلاح على أرضية المصالحة

إن عملية الاصلاح الاجتماعي تعد من العمليات الكبرى في تاريخ الشعوب والأمم، التي تستلزم وضوحا في الرؤسة، واتساقا في الأهداف الكبرى بين شركاء البرناج الذين يتقاسمون أعباءه ضمانا لتحقيق عوائده المرجوة. والنظرة المتأنية لطبيعة الحراك الاجتماعي في مجتمع ما وخريطة بناء القوى الاقتصادية والاجتماعية ونصيب الفرد في النايج الاجتماعي القومي، وإجمالي الناتج المحلي في علاقته بحجم الدين الداخلي والخارجي وهي من المؤشرات الحرجة والضرورية لتحديد إتجاه الاصلاح وأهداف برنامج الاصلاح الاجتماعي. هذه النظرة المتأنية التي تجعل الرؤية للتنمية الاجتماعية الشاملة تهدف إلى إنجاز تحسن ملموس في مؤشرات اجتماعية محددة، لا يمكن فصلها أو السعي إلى تحقيقها دون مقارنة نصيب الفرد في النايج المحلي الاجمالي (1200 دولار ينويا من البنك الدولي سنة 99) بالدول المجاورة في المنطقة مما يجعلنا ننتظر المزيد من التحسن في هذا النصيب الذي يمثل مردود عمل الإنسان في كل الأحوال، وعدالة توزيع هذا المردود بشكل يضع أساسا لحراك اجتماعي جديد يؤمن للوطن والمواطن سلاما اجتماعيا واقتصاديا، وتقارير التنيمة البشرية التي تعد من الوثائق المرجعية الهامة في مؤشرات هذا الحراك والتي نرصد منها الآتي:

تصل نسبة الفقراء إلى جملة السكان 33,9% ومن يوصفون بالفقر المدقع إلى 7,6% ، وأن نسبة من يعانون من الفقر بمختلف صوره تصل إلى 41,5% من إجمالي السكان. من المعروف أيضا أن 96% من سكان مصر يعيشون على مساحة 4% فقط من أرض الوطن. وأن نسبة الاعالة في مصر تصل إلى 77% وهي من أعلى النسب في العالم. سوء توزيع الأصول في دولة كمصر فما زالت السيطرة لـ 20% من السكان على 70% من الأراضي حتى الآن، وهذا مجرد مثال لسوء توزيع الأصول الاقتصادية التاريخي.

انتشار الفقر على نطاق واسع يمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه آليات الاصلاح، ويكون الفقر مصحوبا في أغلب الأحيان بالبطالة، وسوء التغذية، والأمية وتدني أوضاع المرأة والتعرض للمخاطر البيئية، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الاجتماعية والصحية. وهذه عوامل تسهم في ارتفاع مستويات الاعتلال والوفيات، فضلا عن انخفاض الانتاجية الاقتصادية، كما يتصل الفقر اتصالا وثيقا بالتوزيع السكاني المكاني غير الملائم وبالاستخدام غير الملائم للموارد الطبيعية والتوزيع غير المنطقي لتلك الموارد.

نسق القيم السائدة ما زالت تتسم بالأبوية التي تقوم على الطاعة والرضوخ للسلطة، حيث تفتقد الأغلبية العظمى من المصريين أوليات القراءة والكتابة والقدرة على التفكير التقدي والتعبير بحرية، مما يؤدي إلى قلة المشاركة الفعالة في الشؤون العامة، ويعود ذلك بالأساس إلى سيادة آليات امتلاك الثروة والقوة وتشكل الوعي.

اتساع دائرة الفساد في وبين الدولة والقطاع الخاص بدرجة تهدد أي حديث عن التنمية وتكون قوة حول مصالح الفساد تهدد الطموحات نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

مما سبق نجد أن المشاركة نسيج ثقافي متكامل بين أضلاع مثلث متساوي، يعتمد مفهوم التوازي بين المصالح في مواجهة صراع المصالح الضيق الذي يعوق الاندماج الاجتماعي ويؤدي إلى مزيد من المهمشين والمتعصبين. ومما يعوق التوازن في المصالح مجموعة اختلالات داخل أضلاع المثلث ذاته.

فالدولة: المهيمنة المسيطرة أحادية الرؤية التي تعتمد هياكل بيروقراطية تسمح للسلطة التنفيذية فيها بالتوغل على السلطات التشريعية والقضائية، لا يمكن أن تكون دولي قوية عصرية وقادرة على التعامل مع شركاء آخرين في الوطن، وهي دولة محكومة بآليات فردية سوف تؤدي بها في أفضل الأحوال إلى الإذعان الكامل لشروط منظومة العولمة دون قدرة على التفاعل الإيجابي الذي يعطيها دورا أكبر. والمجتمع المدني: الذي يتأرجح بين اختلال المرجعية وتشوه التنظيم وعدم القدرة على تمويل نفسه، مجتمع مدني يعيد تشكيل نفسه، وما يزال يعمل على تأكيد دورة كشريك حقيقي في استراتيجية التنمية البشرية الشاملة. والقطاع الخاص: الذي ترجع نشأته إلى ظروف تاريخية استثنائية ومشوهة، والذي لا يدرك مفهوم رأس المال الاجتماعي الذي يضع ضوابط وآليات سوقه الداخلية ليضمن استدامته وقدرته على التنافس خارجيا وداخليا. لا يمكن أن يشكل الضلع الثالث والحيوي في مثلث الشراكة الذي يضمن توفير التمويل والاستدامة.

أ. مسؤولية بناء المجتمع المدني بطريقة مؤسسية يتوفر فيها كافة الضمانات القانونية والسياسية ودعامة ذلك بالتأكيد على:

1. أهمية الديمقراطية في التنمية البشرية وذلك بلا مركزية الحكم.
2. المشاركة الشعبية الفعالة في صنع القرار السياسي والتنمية البشرية، وذلك بالتأكيد على إشراك الفئات الاجتماعية الضعيفة والمهمشة والأكثر فقرا كالنساء والأطفال.
3. تطوير وتعديل القوانين التي تتعارض مع مفاهيم الديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان.
4. أهمية إطلاق حرية التعبير وممارسة حق التنظيم وتكوين الجمعيات.

ب. مسؤولية المنظمات غير الحكومية:

يتبين أن المنظمات غير الحكومية يقع عليها عبء ومسؤولية كبيرة في عملية بناء المجتمع المدني، وتحقيق التنمية البشرية العادلة والمتوازنة، وحتى تقوم بمسؤولياتها عليها أن تراعي التوجهات الآتية:
1. القيام بتنفيذ برامج قصيرة وطويلة المدى من أجل توعية المجتمع والعاملين في المنظمات الأهلية غير الحكومية والتدريب على المشاركة الشعبية الفاعلة في إدارة المجتمع وصنع القرار السياسي وذلك في إطار من التخطيط.
2. ممارسة التشجيع على صعيد المنظمات غير الحكومية ذاتها وكذلك على صعيد تشجيع الدولة في أنشطتها ومشاريعها المتوجهة للتنمية المجتمعية والبشرية.
3. القيام بوظيفة الرقابة الشعبية والمؤسسية المتبادلة مع الدولة وهي تؤدي دورها وتقوم بوظيفتها.
4. التوجه نحو تدبير مصادر التمويل الذاتي من المجتمع المحلي لتوفير أكبر قدر من الاستقلالية لها.
5. توفير نماذج رائدة من المنظمات غير الحكومية والقيام بمشروعات رائدة في مجالات مكافحة الفقر والبطالة والأمية وتوفير فرص العمل.
6. إطلاق طاقات عمل ومبادرات المنظمات غير الحكومية، بتحريرها من قيود البيروقراطية. وتوجيه نحو المنظمات القاعدية أو الشعبية ودعمها بالخبرات والطاقات.
7. التأكيد على أ، تكون العلاقات المتبادلة بين المنظمات غير الحكومية والمؤسسات المانحة قائمة على التنسيق المشترك وعلاقة مشاركة على أساس من التساوي والندية، دون طغيان قوى المؤسسات الغنية على المنظمات غير الحكومية في البلدان النامية، وذلك بأن تكون الأولوية لمراعاة المتطلبات المحلية الفعلية في إطار من التنمية العادلة والمتوازنة، وفي ذلك كله نكون منطلقين من أن ديمقراطية المجتمعات والمشاركة لهما دور أساسي في عملية التنمية مع الحذر من سياسات البنك الدولي التي تسعى لخصخصة العمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية وتحويل العملية في مجملها إلى مناقصات، والمنظمات الأهلية إلى مقاولين ووكلاء ومقاولين من الباطن.


الإصلاح السياسي والحوار الديمقراطي

لا يخفي على القيادة السياسية في مصر أن القوى الوطنية والديمقراطية من الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والمفكرين والكتاب قد انعقدت مطالبها منذ عقود وعقود على المطالبة بالإصلاح السياسي والديمقراطي الشامل، على التغيير من دولة يحكمها حزب واحد ويسيطر البعد الأمني فيها على كل الأجهزة والمؤسسات بل والتشريعات إلى دولة مدنية حديثة، دولة يتساوى فيها الجميع أمام الدستور والقانون، حيث استقلال السلطة التشريعية والقضائية عن السلطة التنفيذية. وحيث كل مواطن شريك كامل في صنع السياسات وصنع القرار على قاعدة احترام حقوق المواطنة وحقوق الإنسان، وفي ظل المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللون أو المرتبة الاجتماعية أو المعتقدات السياسية، دولة تحكمها مبادئ الديمقراطية ويشرع لها برلمان ديمقراطي، دولة تتوافر فيها الضمانات الدستورية والقانونية لحرية الرأي والفكر والعقيدة وضمانات التعددية السياسية، يتاح فيها التداول السلمي والديمقراطي للسلطة، عبر الانتخاب الحر المباشر. دول يملك فيها المواطنون حق تأسيس الأحزاب والنقابات والروابط والجمعيات وإصدار الصحف، وممارسة حق الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي بحرية كاملة وضمانات دستورية وقانونية، دولة تنظم الحقوق والحريات لا تقيدها ولا تصادرها ولا تلتف حولها. لذلك فإنه من حق القوى الوطنية الديمقراطية فيمصر ومن ضمنها منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان أن تحلم وتناضل من أجل الإصلاح السياسي الاجتماعي الديمقراطي الشامل، وأن نطالب الحزب الوطني الديمقراطي بأن يضع هذا الإصلاح في قمة أولوياته في ظل سياساته وأفكاره الجديدة، وأن يصبح هذا الإصلاح هو قاعدة وبرنامج الحوار مع الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني. ولا يغيب عن الذاكرة أن أحزاب المعارضة خاصة التجمع والوفد ولجان الحريات في نقابتي المحامين والصحفيين ونادي القضاة في مؤتمري العدالة الأول والثاني خلال الثمانينات وكذا منظمات حقوق الإنسان، قد ألحت على مطالب ديمقراطية للإصلاح السياسي يمكن ذكر أهمها على النحو التالي:

تعديل كافة التشريعات بما يتلاءم مع اتفاقية الحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية واتفاقية منع التمييز ضد المرأة بكافة صوره وأشكاله، واتفاقية منع التعذيب بكافة صوره وأشكاله، واتفاقية حقوق الطفل وإعلان الحق في التنمية وغيرها مما يرتبط بالحقوق والحريات التي التزمت بها مصر وصدقت عليها، ووضعها موضع التنفيذ. وإلغاء حالة الطوارئ التي تعيشها مصر منذ سنوات متصلة وإلغاء محاكم أمن الدولة طوارئ وقصر سلطات الحاكم العسكري إلى حالات الحروب والكوارث العامة. والإفراج عن كافة المعتقلين والمحتجزين دون محاكمة، وإطلاق حرية تكوين الأحزاب والنقابات والجمعيات وكافة أشكال التنظيمات السلمية والمدنية، ووضع الضمانات القانونية والسياسية الكفيلة بحماية استقلاليتها. وإطلاق حرية الصحافة وتحرير أجهزة الإعلام من السيطرة الحكومية وإطلاق حرية تملك وسائل الإعلام المسموعة والمرئية وحق إصدار الصحف. وإتاحة فرصة متكافئة للأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وكافة الاتجاهات والتيارات الفكرية الديمقراطية في طرح أراءها وأفكارها في كافة أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية. ووضع التشريعات والسياسات الملائمة لتوفير ضمانات الانتخابات الحرة النزيهة لفتح المجال أمام التعددية السياسية والمشاركة في السلطة أو تداولها. وتولي هيئات قضائية مستقلة الإشراف على كافة الانتخابات، وعلى رأسها انتخابات رئيس الجمهورية والانتخابات البرلمانية والمجالس المحلية، والإعمال الكامل لمبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين في ممارسة حقوقهم السياسية وحق الترشيح والانتخاب. الفصل الكامل بين الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وبين الدولة وأجهزتها، وتخلي رئيس الجمهورية بصفته رئيسا لكل المصريين لرئاسته للحزب. وتقليص السلطات المطلقة الممنوحة لرئيس الجمهورية طبقا للدستور. وإصدار قانون جديد للحكم المحلي لتفعيل المشاركة الشعبية للمواطنين وتمكينهم عبر الانتخاب الحر المباشر – دون تدخلات من السلطة التنفيذية أو الأمنية أو سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي – من ممارسة الإدارة المحلية وممارسة الرقابة الشعبية على الأجهزة التنفيذية. وإصلاح وتعديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية خاصة المتعلقة بالأجور والخدمات الصحية والتعليمية، والتي باتت تهدد حياة المواطنين وتوسع دائرة الفقر والبطالة، والعمل على وضع خطط بديلة للتنمية البشرية والاجتماعية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.