Skip links

الاعتداء على جميل النمري

حادثة الاعتداء على الكاتب الأستاذ جميل النمري تشكل ناقوس خطر يجب الاستماع إليه بقدر كبير من الانتباه، فالأستاذ جميل على مستوى متقدم وراقٍ من الموضوعية والدماثة والقدرة على الاستماع والحوار تجعلني أعتقد أن المستهدف من القضية هو الاعتدال والحوار وحسن الخلق وليس أمرا آخر، وبخاصة أن قصة الاعتداء اعتمدت على هذه الصفة للرجل، فقد تحدث معه المعتدي مستغلا طيبته ونجدته، وكأن الرسالة الحقيقية ليست الخلاف في الرأي ولكن "لا تكونوا طيبين ولا تثقوا بالمواطنين، وكونوا حذرين من أصحاب القضايا والحاجات فربما يكون الأمر كمينا"!.
فقصة جميل تشبه قصة الفارس في التراث العربي الذي لقي في الطريق شخصا يبدو مريضا ومحتاجا، فنزل عن حصانه وأركبه ليساعده، ولكن المتمارض هرب بالحصان وترك الفارس واقفا، فناداه قائلا "أرجو ألا تخبر أحدا بالقصة، فلا يعود أحد يساعد محتاجا مخافة الكيد والخديعة".
والمؤشر الثاني في حادثة الاعتداء هو عندما تتشكل في المجتمع عصابات من الناس تعمد إلى إرهاب المواطنين وإسكاتهم وتهديدهم، فذلك يهز الثقة بمؤسسات المجتمع والدولة ونظام الثقة العام والذي تقوم عليه مصالح الناس وأعمالهم جميعها. فالقاعدة العامة في العمل الصحافي أن الكاتب تكون عينه على القانون والمحاكم والرأي العام وموقف المجتمع، فهو يكتب ضمن هذه المحددات والأطر، وعندما يصبح مضطرا أن يحسب حساب عصابات مجهولة أو معلومة ومصالح غير قادرة على الدفاع عن نفسها استنادا إلى القانون والرأي العام، فإن منظومة تشكيل الآراء والمواقف العامة تكون عرضة للتدمير بل والكوارث.
أن يُسجن الكاتب ظلما أخف وطأة بكثير من أن يعاقب خارج القانون حتى لو كان الكاتب مخطئا بالفعل، لأن وسائل الإعلام والنشر في هذه الحالة ستفقد وظيفتها ودورها، وسينعكس ذلك على مصالح الناس وحياتهم اليومية، ما الذي يمنع من نشوء عصابات واستئجار "بلطجية" لمعاقبة كتاب يتعرضون لمسائل من حياة الناس اليومية وليست قضايا فكرية أو سياسية؟ ما الذي سيمنع ضرب الكتاب والاعتداء عليهم إذا انتقدوا أو تحدثوا عن قضايا معاشية واستهلاكية يقوم عليها استغلال وتزوير؟ كيف سيشعر الصحافي والكاتب بالأمان وهو يغطي مسائل من قبيل أقوات الناس والغذاء والدواء والإنشاءات والتوريدات والخدمات والمرافق؟ ما الذي سيمنع تعرض المواطنين للإرهاب والاعتداء للحيلولة دون سلوك العدالة والإجراءات القانونية مجراها؟.
لنتخيل حياة الناس ومصالحهم عندما تتحكم بها أدوات البلطجة وتضعف سلطة القانون والمحاكم، فعندما كانت تجري مطالبات قوية بحماية الصحافيين من السجن لم يكن ذلك تمييزا لفئة من المواطنين، ولكنه يضمن عدم تعرضهم للكيد والملاحقة الكيدية وعرقلة عملهم في الرقابة والإعلام والتواصل مع الرأي العام والمواطنين.
إنني أحاول منذ أيام، كما يفعل بالتأكيد زملاء ومهتمون بحادثة الأستاذ جميل النمري، تحليل أسباب الاعتداء وتخمين هوية الفاعل ومصالحه ودوافعه فأجد أن جميع الكتاب والصحافيين (بلا استثناء) باتوا اليوم مهددين، فعندما أقارن كتابات الأستاذ جميل بما أكتبه وبما يكتبه الكتاب والصحافيون يمكن ملاحظة ناظم عام للكتابات والتغطيات الصحافية يكاد يشملها جميعا، وهي معالجة الأحداث والمواقف والأخطاء، وسواء اتفقت المواقف والآراء أو اختلفت فإنها تؤدي إلى نتيجة أن كل كاتب وصحافي له رصيد ممن يختلفون معه ويعادونه وينتقدونه كما أن له مؤيدوه.
الواقع أن الحادثة هي اعتداء على جميع الصحافيين والكتاب وتهديد لأعمالهم وعائلاتهم وممتلكاتهم، وأملنا كبير أن يكشف الفاعل وينال جزاءه وعقوبته وإلا فإن شبكة واسعة من مصالح الناس وأعمالهم ومكتسبات المجتمع مهددة بالاعتداء والإضعاف.
ففي الوقت الذي تخسر المجتمعات شراكة الصحافة والإعلام في خدمة قضاياها ومواجهة التهميش والإضعاف، فإن النتيجة ستكون كارثية على الثقافة والمجتمعات.