Skip links

التجربة المصرية.. حرية التعبير بين الإعلام الخاص وإعلام الدولة

من يملك المستقبل؟ الاعلام الخاص أم اعلام الدولة؟ من سينتصر في معركة الميديا الطاحنة؟ الاعلام الموجه الذي يهدف إلى تعبئة مشاعر الناس أم الاعلام الرأسمالي الذي يهدف إلى مصلحته عبر قنوات تبث الفيديو كليب والأغاني وتهدر القيم؟ وهل لازالت الدول والحكومات في حاجة إلى قنوات اعلامية للتعبير عنها؟ وهل كل أهداف القنوات الخاصة هي أهداف سامية؟ وأيهما يملك الحرية؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت محور الندوة «المناظرة» التي نظمها معهد الأهرام الاقليمي للصحافة بالقاهرة والمنظمة العربية للتعاون الدولي بعنوان «الاعلام المرئي وحرية التعبير بين الاعلام الخاص وإعلام الدولة»، ومثل اعلام الدولة فيها جمال الشاعر رئيس قناة النيل الثقافية التابعة لاتحاد الاذاعة والتليفزيون المملوك للدولة ومثل القطاع الخاص فيها الدكتور حسن راتب رجل الأعمال المعروف وصاحب قناة «المحور» الخاصة وأدارها الدكتور فاروق أبوزيد عميد كلية الاعلام بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا وحضرها عدد كبير من النقاد والاعلاميين.

المناظرة بدأها أسامة سرايا رئيس تحرير جريدة الأهرام بأنه لا يجب أن نقيم مقصلة للاعلام، لأن الاعلام لا يستطيع أن يعمل وسيف الاتهام مسلط عليه ويجب على المجتمع أن يتقبل من الاعلام الخطأ إلا إذا كان الخطأ متعمداً ولا توجد {مازورة} (مقياس) محددة لقياس الأخطاء وعندما نكون قادرين على صياغة خطاب اعلامي جاد أياً كان نوعه فإننا سوف نتقدم، لكن يجب ألا يكون هناك متهم من البداية.

الدكتور فاروق أبوزيد أشار إلى أن الاصلاح في مصر له ثلاثة محاور، اصلاح سياسي واصلاح اقتصادي واصلاح اجتماعي، وهناك محور رابع مهم وهو الاصلاح الاعلامي، وهذا المحور لا يقل أهمية عن المحاور الثلاثة السابقة بل يزيد أهمية عن بعضها، وبصرف النظر عن وجهات النظر فأنا ضد اشراف الحكومة على الاعلام.

بدأت المناظرة بحديث جمال الشاعر رئيس قناة النيل الثقافية، حيث أشار إلى أن هناك مشكلات في التليفزيون المصري، وهناك مشكلات في الحرية، ولكن أي منصف يشهد أن هناك لغة أخرى للخطاب الاعلامي الرسمي يتم صياغتها الآن، وهناك قبول للآخر وما أثير من اتهامات بأن هناك ضيوف بعينهم يظهرون في برامج التليفزيون غير حقيقي، وكل التيارات ممثلة، وهناك حالة من حالات الانفتاح الاعلامي.

وأضاف الشاعر أن التليفزيون يملك ميراثاً من البيروقراطية والجمود، والوساطات في تعيين بعض العاملين، فالتليفزيون يملك 30 قناة، وبه 37 ألف موظف أي أن هناك دولة داخل مبنى ماسبيرو، والفساد الحادث في التليفزيون جزء من السياق العام، ونحن صورة مصغرة لما يدور في المجتمع المصري بكل سياقاته هناك اعتبارات خاطئة، وهناك أيضاً أناس أكفاء، وهناك عجز مادي، واتحاد الإذاعة والتليفزيون مدين بمليارات الجنيهات للدولة.

وقال الشاعر ان مثلث الرعب في المنافسة هو الابهار والحرية والاثارة بأن تقدم أداء اعلامياً لافتاً للنظر وفيه جرأة في اتجاه معين، والمثلث يحتاج إلى العمل في اتجاه متوازن ونحن شركاء في العمل ولا توجد خصومة، والدولة كانت تحتكر الاعلام في فترة ما، لكن الآن هناك قنوات خاصة، وهناك قنوات مستقلة تماماً، ونحن نمر الآن بحالة حراك اعلامي وانتهت فكرة الرقيب خاصة مع وجود الانترنت، ولكن المشكلة في الموارد، فمعظم المثقفين المصريين يطمحون أن يروا قناة النيل الثقافية في مستوى قناة ديسكفري، لكن قناة ديسكفري شاهدت لها برنامجاً مدته نصف ساعة عن منابع النيل في أفريقيا تكلف نصف مليون دولار أي أن انتاج برنامجين كهذا يساوي ميزانية التليفزيون في سنة.

الدكتور حسن راتب رئيس قناة المحور بدأ كلامه بالتأكيد على أنه لا توجد صناعة أثقل من صناعة الاعلام ولا أصعب منها والاعلام أداة خطيرة وحاكمة وحاسمة مشيراً إلى أن احتكار القطاع الخاص للاعلام يطرح العديد من الاشكاليات منها أنه لا يمكن فصل الملكية عن الادارة أبداً، فاسرائيل مثلاً نجحت طوال السنوات الماضية في بث صورة سيئة للفلسطينيين في العالم كله من خلال اعلامها، وهذا اعلام معبر عن ملاكه، مؤكداً أنه إذا أردنا الحرية فلنطرح كل الآراء.

وقال الدكتور حسين أمين رئيس قسم الاعلام بالجامعة الأميركية أنه في أي بلد تتحول من النظام الشمولي إلى النظام الديموقراطي لابد أن تتحول من اعلام الدولة إلى الاعلام الخاص، وفي العصر الرقمي لابد أن تتعدد القنوات، لكن هناك اتجاها عالميا لاستقلالية اعلام الدولة، لتقديم الخدمة العامة، وهذه الخدمة لابد أن تتوج بخطط تنموية لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها.

وأكد أمين أن الوثيقة التي يدار بها اتحاد الاذاعة والتليفزيون وتحتكر البث الأرضي لا بد من اعادة النظر فيها، لأنه من الممكن أن تكون هناك قنوات محلية خاصة، كما أن الفضائيات ستنشر أكثر، وإذا لم تدرك الدولة هذا فسوف تحل المنظومة الفضائية بدل الأرضية خلال العشر سنوات المقبلة.

الدكتور سامي الشريف وكيل كلية الاعلام بجامعة القاهرة ألمح إلى أن الاعلام الخاص المرئي في المنطقة العربية كانت بدايته حكومية عندما أرادت بعض الحكومات العربية أن تبث قنوات فضائية، مشيراً إلى أن هناك ثلاثة أنماط من القنوات الخاصة، فهناك نمط تقف وراءه حكومات بعينها، وآخر تشارك فيه الحكومات، وآخر يملكه رجال الأعمال، وعندما دخل الاعلام الخاص حرك الماء الراكد وجعل القنوات الحكومية تضطر إلى تغيير سياساتها وان تفعل مثلما يفعل الاعلام الخاص، ليس ايماناً منها بحق الناس، ولكن خوفاً من هذه القنوات.

وأكد الشريف أنه في الفترة الأخيرة حين شهدت مصر حراكاً سياسياً، كان يجب أن يهرب الناس من القنوات الحكومية إلى القنوات الخاصة المصرية، ولكنهم هربوا إلى القنوات الخاصة العربية لأنهم وجدوا فيها المتنفس. الناقد طارق الشناوي أشار إلى أنه ليس بالضرورة أن تكون الدولة هي التي تملك القواعد الصحيحة للتقييم مؤكداً أن الاعلام الحكومي يقوم بمسرحية هو مجبر عليها وهذه المسرحية بها لصوص وشرطة شريفة تمثلها الدولة، ويجب في نهاية المطاف أن ينتشر الشرف الذي هو الدولة على اللصوص الذين هم المعارضة، وكل البرامج التي بها معارضون، هم معارضون مستأنسون، أي يقولون آراء ترضي الطرفين، فما يسمح به في مصر للمعارضة هو جزء لصالح الدولة واعلام الدولة، والمعارضة مجبرة على أن تكمل اللعبة.

وعندما يحدث اختيار نجد أن السقف ضيق جداً، فحمدي قنديل كان يقدم برنامجاً في التليفزيون المصري، لكن لم يحتمل التليفزيون هذا البرنامج فذهب به إلى قناة دريم المصرية الخاصة، لكنها لم تحتمل فاضطر أن يذهب إلى قناة خارج مصر.

وائل الأبراشي رئيس تحرير جريدة صوت الأمة ومقدم برنامج «الحقيقة» على قناة دريم قال ان هناك عملية وصاية على الناس من الاعلام الحكومي وهذه الوصاية يجب أن تنتهي، وهناك فساد مالي ضخم في التليفزيون، وهناك تضخم مالي كبير لثروات المسؤولين، واذا كانت الحجة أنه لا، بل يوجد مال، لا يوجد مال، ولكنه يسرق. ووجه الأبراشي حديثه إلى جمال الشاعر قائلاً: أتحداك أن تقدم برنامجاً عن توريث الحكم في مصر وأتحداك أن تقدم برنامجاً عن التعذيب في أقسام الشرطة ورد الشاعر عليه بقوله: وأنا أتحداك أن تقدمه أنت في قناة خاصة. وأكد الأبراشي أن القنوات الخاصة في مصر تقمع بشدة من قبل الحكومة ولا يوجد لدى الدولة إيمان بالاعلام الخاص، لأنها تريده جزءاً من اعلامها. وأكد الكاتب يوسف القعيد أن التليفزيون سواء الخاص أو العام ينظر إليه على اعتبار أنه وسيلة من وسائل الحكم ومؤخراً هددت بعض القنوات الخاصة بقطع الارسال واغلاق مكاتبها وخطفت الكاميرات منها. وروى القعيد قصة منع حلقة كان يتحدث فيها محمد حسنين هيكل لقناة دريم الخاصة قائلاً ان الأمن اتصل بأحمد بهجت صاحب القناة ورجل الأعمال المعروف وهو في أميركا لوقف الحلقة، وهددوه بقولهم «تعال لتسوية ديونك مع البنك» وهو ما اضطر بهجت إلى العودة إلى القاهرة لايقاف الحلقة.

وختم القعيد حديثه بقوله «مصر لا تستحق هذا الهوان الاعلامي».