Skip links

الحريات الإعلامية في الأردن: اليوميات منحازة دوما للموقف الرسمي.. ومؤسسة الفساد لا زالت قوية وفاعلة

ناقش تقرير مثير للجدل بعنوان حالة الحريات الإعلامية في الأردن عام 2003 الكثير من التفاصيل المهمة في سياق الترابط ما بين المشهد السياسي برمته في البلاد وإنعاكاساته علي المشهد الإعلامي. وتناول باحثون إعلاميون متخصصون في شهادات صريحة وغير مسبوقة لهم واقع خارطة الحريات في البلاد علي هامش وثيقة أصدرها مركز حماية وحرية الصحافيين وتم تداولها خلال ورشة عمل متخصصة جمعت الصحافيين والبرلمانيين والقضاة في البحر الميت نهاية الأسبوع الماضي.
وحضر الورشة ضيوف عرب من لبنان ومصر وكان اللافت فيها مشاركة قضاة في المحاكم الأردنية لأول مرة بجهد من هذا النوع حيث فاجأ أحد القضاة الحضور بالتأكيد علي ان الدور الأساسي في إستقلالية القضاء يلعبه القضاة أنفسهم الذين يستطيعون إنتزاع إستقلاليتهم في مؤشر نادر علي إعتراف قضائي بوجود خلل ومشكلة فيما يتعلق بإستقلال القضاء وتدخلات الحكومة في عمله.
وبدا واضحا ان الوثائق التي تضمنتها تقارير الورشة هي الأهم فقد لاحظ الباحث والكاتب الصحافي جميل النمري بأن تراجع دور الدولة الإقتصادي والأبوي في الأردن بصفتها أكبر موظف تراجع مؤخرا دون ان يترافق ذلك مع تراجع مفهوم ولي الأمر وهي المفهوم النقيض لمفهوم المواطن دافع الضرائب صاحب السيادة علي حاضره ومستقبله.
وفي ظل العلاقة الجدلية بين مسار الإصلاح الجديد الذي تعيشه البلاد وبين الواقع الموضوعي، لاحظ النمري أيضا نشوء وضع خطير جديد هو القبول والتعود علي نصف ديمقراطية ونصف حريات عامة ونصف حرية إعلامية ورصد الباحث بعض ما سماه تناقضات طريفة فقد تم إنشاء قانون حديث لتعزيز إستقلالية الإذاعة والتلفزيون وعندما بدأ التنفيذ خشيت البيروقراطية علي نفوذها فتم تعيين وزير الإعلام رئيسا لمجلس إدارة المؤسسة التلفزيونية وكذلك وضع قانون المجلس الأعلي للإعلام لإنهاء سيطرة الدولة علي الإعلام لكن عند لحظة ما صارعت الحكومة لحرمان المجلس من الصلاحيات وأمام هذه الإستعصاءات يتم إلغاء وزارة الإعلام لكن بعد ذلك تصاغ قوانين وأنظمة تبقي سلطة الحكومة بالمؤسسات.
وشدد النمري علي ان تراجع الدور الإقتصادي للحكومة وزيادة الضرائب والرسوم يفترض ان يزيد من ثقل المواطن الحر وبالنتيجة التعبير الحر لكن ذلك لم يحصل فيما تسبب قصور الإصلاح الإداري وبقاء مؤسسة الفساد فاعلة وقوية بإنعكاسات سلبية علي أداء الإعلام ويمكن القول بأن نسبة كبيرة من حوادث الإعتداء علي حرية الإعلام ذات مساس بملفات تدور حولها شبهات فساد مثل شركة الملكية الأردنية وعطاءات تدريب الجيش العراقي.
وتحدث تقرير رصدي حول إنتهاكات حرية الصحافة عن مفهوم الرقابة المسبقة علي الصحف وتحديدا الأسبوعيات خارج نطاق القانون وعبر مخبرين من عمال المطابع. وقال التقرير الذي اعده ناصر قمش رئيس تحرير أسبوعية الهلال بأن ديكتاتورية المتابع اصبحت موضة الآن فالسلطات تتبع آلية تمكنها من الإطلاع علي الصحف بالمطابع قبل خروجها للسوق وحدث ان منعت صحف من الطباعة بسبب ذلك، فيما تحصل أحيانا مفاوضات مع المسؤولين في الصحيفة بعد الإطلاع علي مضامينها قبل النشر وفقا لشهادة تقدم بها بعض رؤساء تحرير الأسبوعيات علي هامش التقرير الرصدي الذي تناول ايضا محاولات السلطات حجب بعض المواقع الإلكترونية ايضا.
وإشارت إحدي الوثائق لتراجع واضح عام 2003 في مجال توقيف وإعتقال الصحافيين حيث حصلت حادثة واحدة هي سجن ثلاثة صحافيين بتهمة المس بالشعور الديني في القضية التي عرفت بإسم قضية عائشة زوجة الرسول.
وعرض رئيس تحرير صحيفة الدستور أسامه الشريف لرؤيته الشخصية فيما يتعلق بالحالة المهنية الإعلامية في الأردن متحدثا عن إشكالات تعترض تعريف الصحافي في الأردن، معترفا بأن الصحافي الأردني لا يعرف الا النزر اليسير من أصول الحرفة بما في ذلك إمتلاك ناصية اللغة وتطويعها وكتابة نص مكتمل العناصر مع غياب واضح لأبسط قواعد الثقافة العامة وقلما تواجه صحافيا عتيدا يستطيع الخوض في غمار نقاش ذو صلة بالتاريخ السياسي او الإقتصادي للبلاد.
ولاحظ الشريف ان المنتج الصحافي الأردني لم يشهد قفزات نوعية من حيث المضمون رغم التطور التقني الهائل الذي عايشته الصحافة منذ الستينيات والصحف المحلية اليومية لا زالت نمطية بتركيزها علي الخبر البروتوكولي وإنحيازها لوجهة النظر الرسمية وشدد علي ان التحدي أمام الناشرين الآن ليس تطوير مهارات الصحافيين الموجودين فقط إنما الحفاظ عليهم بسبب الإستقطابات التي تحصل من مؤسسات الإعلام العربية وتحديدا الخليجية.
وإعترفت وثيقة موازية بوجود تراجع في مستوي التدخلات الرسمية والأمنية بعمل الصحافيين لكنها تحدثت عن إستمرار حصول إنتهاكات بطرق متعددة لحرية الصحافي في العمل والنشر والحصول علي المعلومة حيث يجري مسؤولون إتصالات هاتفية بالصحافيين في محاولة منهم للتأثير بمجريات عملهم في إطار الضغط علي الصحافي للإلتزام بالرواية الرسمية الوطنية للأحداث دون الإعتراف بوجود تصور مختلف عن التصور الرسمي لقصة المصلحة الوطنية التي تستخدم كمبرر للتدخل في عمل الصحافيين.
وإعتبر الباحث القانوني الإعلامي يحيي شقير ان واحدة من أسوأ الإنتهاكات لحريات الصحافيين هي التعميمات التي تتكاثر عن إدارة المطبوعات للتحكم عن بعد بما ينشر حول بعض الملفات والقضايا الجدلية إضافة لإلزام الصحف بالنص الذي تقدمة وكالة الأنباء الرسمية في تغطية المناسبات الرسمية.
وحسب شهادات المشاركين بالورشة لا زالت عدة جهات تتصل هاتفيا بالصحافيين وتخضعهم للإستدعاء في محاولة للتأثير في مجريات الأمور إلا ان هذه الظواهر تراجعت في عهد الحكومة الحالية.
وأشار الكاتب عريب الرنتاوي في وثيقة شهادته إلي تكرس تحالف تقليدي بين الحرس القديم والتيار الإسلامي أحبط الكثير من توجهات الإنفتاح. وبرأي الرنتاوي تميزت المعالجات الرسمية للتحديات التي واجهت البلاد بالنزق والعصبية وبالميل للحد من الحرية والتطاول علي الإعلام وفي التعديلات الكثيرة للتشريعات بالإتجاه المقيد علما بأن هيمنة اللغة التحريضية علي الخطاب المعارض ساهمت بذلك ايضا مع غياب تيارات ديمقراطية ليبرالية وزيادة الضغوط الخارجية علي المملكة، علما بأن التيار المحافظ المبثوث في كل قنوات الدولة والمجتمع لعب دورا مضادا للحريات الإعلامية.