Skip links

الحريات الصحفية في الاردن ومسؤولية وزارة الاعلام

لم يفاجئنا تقرير الحريات الصحفية للعام 2007 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" الذي اتهم الاردن بتراجع الحريات فيه 13 مرتبة عن موقعه في التقرير الصادر في العام الماضي ليحل في المرتبة 122 عالميا والسابعة عربيا.
ولم تكن المفاجأة ان يكون تقدم على الاردن في الحريات الصحفية كل من الكويت ودولة الامارات وقطر لاننا عندما نعقد مقارنه بين الاردن الذي كان يتمتع قبل خمسين عاما بدرجة متقدمة في الحريات الصحفية خصوصا بعد ان صدر الدستور الاردني عام 1952 واعتبر من ارقى دساتير الحريات في الشرق الاوسط وكانت في ذلك الحين تلك الدول العربية الثلاث : الكويت والامارات وقطر في مراحل البداية والبناء بل كان ابرزها وهي دولة الامارات لا تمتلك اي مؤسسة حكومية ولا اية معالم اعلامية وثقافية بل انها لم تكن تمتلك مترا واحدا من الاسفلت يغطي شوارعها التي تشق في الرمال واستطاعت تلك الدول بمساعدة الاردن ان تبني كيانها الوظيفي والتجاري والاعلامي والحكومي وان تستعين بكل الخبرات العربية والعالمية الاخرى حتى استمرت في شق طريقها نحو البناء والارتقاء الى ان بلغت ما بلغته اليوم من حضارة تتفوق في بعض الاحيان على الحضارات العالمية في كل من الولايات المتحدة واوروبا.

الاردن ساعد دول الخليج
ولن ننسى في مجال الاعلام ان الاردن والاردنيين هم الاوائل الذين ساعدوا كل دول الخليج في اصدار الصحف واطلاق الاذاعات وبناء المؤسسات التلفزيونية واذا كانوا قد تعلموا الاسس المهنية والتدريبية من الاردنيين الا انهم استفادوا من الاخرين في كيف تكون اجهزة اعلامهم ديمقراطية قائمة على اصول علمية تخدم المواطن في بلده وتؤسس لحضارة ترتقي بالانسان دون ان تقضي على ثقافته البدوية واصوله العربية وارتباطاته القومية حتى استطاع ان يبني اعلام دولة وليس اعلام حكومة او حزب او عشيرة او جماعة.
ولا شك ان هذا الطريق الذي سلكه بعض الاخوة في دول الخليج هو الذي جعل ثلاثا من تلك الدول تتفوق في حرياتها الصحفية على حريات بقية الدول العربية العريقة مثل مصر ولبنان وسوريا والاردن.
ولا بد ان نتوقف عند هذه الحقيقة والظاهرة لنعرف كيف نعالج مشكلة تراجع الاعلام الاردني ليس منذ خمسة اعوام يوم جرى الغاء وزارة الاعلام بل وقبل ذلك بعشرة اعوام عندما كانت للاردن وزارة اعلام ولكنها كانت وزارة قد ضلت الطريق وسارت في طريق خاطئ عندما كانت تظن ان وزارة الاعلام هي وزارة مقال وخبر والاشادة في انجازات حكومة او اشخاص بعد ان ضاعت عن المهمة الاساسية لوزارة الاعلام وهي ان تكون الوزارة مركز التوجيه الوطني والارشاد العلمي.

ليست مجرد نقل اخبار
ولا بد ان نبعد عن اذهاننا ونحن نبحث عن حل لمشكلة الاعلام ان العملية الاعلامية هي مجرد نقل الاخبار لاننا نلاحظ ان العصر الذهبي للصحافة الاردنية كان في الخمسينات والستينات عندما توفرت الحريات بكل ابعادها وبرز من بين صحفيي تلك المرحلة قادة الرأي الذين اصبح اربعة منهم رؤساء وزارات ومنهم ايضا عدد من رؤساء الاحزاب والعشرات من الوزراء ورؤساء النقابات واصبح الاردن في ذلك الحين واحة للحرية الصحفية لا بد ان ترعاها وزارة اعلام القادرة على تأسيس الحياة الوطنية وفق الثوابت الاردنية حتى تستطيع اقامة شعار"المسؤولية والانتماء"التي هي اساس المواطنه حتى يتمكن الاردن ان يكون حليفا حقيقيا للاردنيين وان يرتبط الاردن بالمغتربين وحتى يبقى الثابت للاردن انه بلد الرباط والمقدسات والقاعدة لانطلاق الروح القومية والثوابت العربية الاسلامية لبلد وشعب مغروسة اصوله في هذا الوطن عبر اقدم العصور.
وعندما نعود لاسباب انطلاق الحرية الصحفية في بدايات الاردن لا بد ان ندرك الاسباب وهي ان المغفور له الملك عبدالله المؤسس هو الذي مهد لانطلاقة الحريات الصحفية قبل صدور دستور الحريات عام 1952 عندما كان يشجع الصحف على انتقاد اخطاء الحكومات المتعاقبة حتى انه كان في كثير من الاحيان يكتب المقالات للصحف باسم مستعار ينتقد فيها الحكومة ويعارض سياستها. اما المغفور له الملك الحسين فهو الذي قاد العملية الاعلامية وجعل من الاعلام قاعدة لحماية الوطن وليس جهازا للترويج لمشاريع الحكومة كانت صحيحة او غير ذلك وقام بتأسيس الجبهه الاعلامية التي صدت كل الحملات التي تعرض لها الاردن بعد طرد كلوب وتحرير قيادة الجيش والغاء المعاهدة البريطانية.
اما الملك عبدالله الثاني ، فلقد بدأ حياته القيادية عندما اعلن للدنيا انه سيسعى الى ان تصل الحريات في الاردن الى السماء وهكذا تتضح طريق الديمقراطية الحقيقية وحياة الحرية والامان والاستقرار.
 
الملوك اكدوا على الحريات
وعندما نريد ان نحقق آمال هؤلاء الملوك الثلاثة الذين اكدوا على حمايتهم للحريات الصحفية لايمانهم انها الطريق الصحيح للارتقاء بالوطن لان اخواننا في الخليج الذين استطاعوا تحويل بلادهم الى واحات من الجنة عرفوا ان النهضة لا تكتمل بدون الحريات واشراك المواطن في مسؤولياتها. وبما ان الاردن اصبح اليوم على ابواب نهضة عمرانية يفتخر بها كل اردني خاصة بعد ان بلغ عدد الابراج المتوقع ان تشق سماء عمان اكثر من مئة ، فلا يصح ان تكون النهضة للبشر بالبناء والزينة ويحرم منها المواطن بالاستقرار والامان والمسؤولية.
وبهذا لا بد من التأكيد مرة اخرى ان الاعلام ليس نقل خبر وكتابة تعليق ، بل هو مصنع للاستراتيجية الوطنية التي تزيد المواطن تعلقا ومحبة لوطنه والعمل على ان يبقى الاردن ارض الرباط وواحد من اكثر بقاع الارض ترابطا وتماسكا وغيرة على سمعة الاردن وحقوقه.
وان كنت اعتقد ان وزارة الاعلام ليست مجرد وزارة خبر وتعليق بل هي مدرسة ومعهد تجمع المواطنين على استراتيجية وطنية محددة تظهر الوجه المنير للاردن في مختلف المجالات وان الاردن لم يستكمل الاستفادة من وجود وزارة الاعلام عندما استعجل بتحويل بعض افرعها الى مؤسسات بل الى وزارات ضاعت معها استراتيجية الاعلام الصحيح الذي يشترط وحدة الاجهزة جميعها على ان تبقى تحت قيادة واحدة لتواصل كل منها في حدود تخصصها خدمة المواطن والوطن.
 
اسرائيل عادت لوزارة الاعلام
ويكفي ان اضرب مثلا باسرائيل التي يجمعها نظام استراتيجي يجعل من كل اسرائيلي عينا واذنا للدولة انها فقدت هذه الميزه عام 1973 في حرب العبور وعندما شعرت اسرائيل بهزيمتها انشأت لاول مره وزارة للاعلام ليس لبث الاخبار بل من اجل ترشيد وتحشيد كل الاسرائيليين في الداخل وكل اليهود في الخارج من اجل انقاذ المجتمع الاسرائيلي الذي تفكك وبدأت هجرات الاسرائيليين للخارج فكانت وزارة الاعلام هي وسيلتهم في تحمل مسؤولية ايقاظ الوعي الوطني وانقاذ المواطن من الرعب والخوف وبعد عدة شهور عندما استطاعت وزارة الاعلام ان تنجح في واجبها عادت وفككت اجهزتها الاعلامية لتترك للمواطن استئناف حياته بعد ان عاد له الاستقرار.
فوزارة الاعلام لها مهمة ولها رسالة لا بد من وجودها عندما يكون المجتمع بحاجة الى تحقيق شعار"المسؤولية والانتماء"وهي اولى مسؤوليات وزارة الاعلام التي بعد ان تقتنع انها قامت بواجبها وادت مهمتها واصبح شعار المسؤولية والانتماء في ضمير كل مواطن يمكن العودة والاستغناء عن وزارة الاعلام بعد ثلاثة او اربعة او خمسة اعوام. واذا اردنا ان نختصر طريق العودة لتأسيس وزارة الاعلام فهناك امكانية متاحة بأن تمنح كافة صلاحيات وزارة الاعلام الى المجلس الاعلى للاعلام شريطة ان تخضع كل اجهزة الاعلام لصلاحياته وان ترتبط به ارتباطا وظيفيا وتعليميا وارشاديا ، على ان لا يكون وجود اجهزة اعلام اخرى خارج سلطة المجلس الاعلى للاعلام ، حتى تستكمل العملية الاعلامية الصحيحة شروطها في انجاح المهمة وتبليغ الرسالة.