Skip links

الخليل تستعد لاستقبال جثمان ابنها الشهيد دعنا

ليس من السهل ان تلتقط صورة.. وقد تكلفك صورة حياتك«.. كانت هذه احدى العبارات التي قالها مصور رويترز الفلسطيني مازن دعنا الذي قتلته نيران اميركية بينما كان يصور فيلما خارج سجن ابو غريب حيث اسفر هجوم بقذائف المورتر في اليوم السابق عن مقتل »6« عراقيين. وتظهر آخر اللقطات التي صورها دعنا يوم الاحد دبابة اميركية تتقدم نحوه خارج اسوار السجن وتدوي اصوات عدة اعيرة نارية من الدبابة.. ثم تسقط الكاميرا التي كان يستخدمها دعنا على الارض، وتذرع الجيش الاميركي بان عملية القتل هذه قد تكون نتجت عن عدم معرفته كصحافي، وعندما اعلن الاميركيون مقتل دعنا.. لم يكلف الناطق باسم الجيش الامريكي نفسه عناء ذكر اسم الضحية.. واكتفى بالقول: لقد واجهنا شخصا واكتشفنا بعد ذلك، انه صحافي.. وتم فتح تحقيق في الامر، وردا على سؤال هل ان القوات الاميركية في العراق تعيش حالة توتر قال المتحدث »نعم لأنها تتعرض لهجمات عديدة«.
ويبدو من لهجة التهميش الاميركي ان مطالبات الهيئات الدولية وابرزها لجنة حماية حقوق الصحافيين ومقرها نيويورك، وجماعة صحفيون بلا حدود ومقرها باريس لن تجد آذانا صاغية، اذ اعطت اميركا ما اعتبرته مبررا لتبرئة جيشها في العراق.. حيث قالت ان جنودها اعتقدوا ان الكاميرا التي يحملها المصور قاذفة صواريخ ار.بي.جي. مع ان الحادث وقع في وضح النهار وقبل حلول الظلام.. وكان دعنا يصور خارج السجن.
وفي رواية ستيفان بريتنر الصحافي في القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي الذي كان شاهدا على ما وقع ما يدحض التبريرات الاميركية، فقد اعلن بريتنر ان دعنا كان يصور قافلة من اربع او خمس عربات عندما اطلقت النار على صدره. ويبدو ان الرصاصة اخترقت جسده.. فقد رأيت دما على ظهره.
وقد زاد الحادث من المخاوف بشأن امن الصحافيين في بغداد الذين لا يخيفهم توتر العراقيين بل توتر القوات الاميركية والتي تشير الوقائع الى انها باتت تنظر اليهم على انهم اهداف معادية، وهذا القلق يعني خاصة المصورين الذين يمكن ان يتم الخلط بين اجهزتهم وقاذفات القنابل، وبمقتل دعنا يرتفع عدد الصحفيين او مساعديهم الذين ماتوا في العراق منذ بدء الحرب الى »17« ولعل هذا هو ما دفع الامين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود روبير ميتار الى تضمين رسالته الى وزارة الدفاع الاميركية التأكيد بان »القوات الاميركية لم ترتكب فقط تجاوزات عديدة ابان الحرب.. ولكن هذه التجاوزات حتى يومنا هذا لم تخضع لأي تحقيق يستحق فعلا ان تطلق عليه هذه التسمية«، مشيرا الى ان »التحقيق المزعوم عن اطلاق قذائف مدفعية على فندق فلسطين في بغداد في 8 نيسان يعري الجيش الاميركي بطريقة مخزية خاصة وان خلاصة التقرير هي التي نشرت وليس كامل النص.
وسيجري نقل جثمان دعنا من مخيم كروبر داخل مطار بغداد وهو مخيم للمعتقلين الى الخليل.
لقد عمل دعنا لسنوات مع »رويترز« يغطي احداث الخليل مسقط رأسه، وهو متزوج وأب لاربعة اطفال وكان يدرك ان حياته محفوفة بالمخاطر.. وقال وهو يتسلم الجائزة الدولية لحرية الصحافة قبل عامين »العمل كصحفي ومصور في مدينة يغيب عنها الامل كالخليل يحتاج الى تضحيات كبيرة«.
مشيرا الى انه اصيب بثلاث رصاصات اسرائيلية وبطلقات مطاطية وتعرض للضرب من الجنود الاسرائيليين عشرات المرات، وان يده كسرت مرتين. وكان الرصاص والاذلال والضرب والسجن والحجارة وتدمير معدات الصحفيين مجرد جزء من المصاعب.
وفي نعيه قال ستيفن جوتس رئيس تحرير الاخبار في رويترز : كان دعنا واحدا من افضل مصوري رويترز . كان صحفيا شجاعا حائزا على جائزة صحفية وعمل في الكثير من بقاع العالم الساخنة .. كان ملتزما بتغطية الخبر اينما يكون .. وكان ملهما لاصدقائه وزملائه وفي مجال العمل الصحفي عموما.
عمل دعنا في الخليل التي اعتبرتها لجنة حماية الصحفيين احدى اخطر بقاع العالم .. وكان كل صحفي في المدينة ينظر اليه بعين التقدير .. وكان كل من غطى احداث الانتفاضة يعرف مازن دعنا ..
وتكشف رواية نائل الشيوخي فني الصوت الذي كان يعمل مع دعنا الحقيقة الدامغة بانها كانت جريمة قتل بدم بارد. يقول نائل متذكرا اخر اللحظات قبل اطلاق الرصاص عليه كان قد سأل جنديا امريكا بالقرب من السجن عما اذا كان بمقدورهم التحدث الى احد الضباط وكان الرد بالرفض. ثم وافق الجندي على طلبهما تصوير منظر عام للسجن من على جسر قريب واضاف الشيوخي » بعدما صورنا ذهبنا الى السيارة واستعددنا للرحيل عندما وصلت قافلة تقودها دبابة وخرج مازن من السيارة للتصوير .. وتبعته وسار مازن ثلاثة او اربعة امتار .. كنا مرئيين بوضوح .. اطلق جندي على الدبابة النار علينا. رقدت على الارض وسمعت مازن ورأىته يصرخ ويمسك بصدره صرخت على الجندي قائلا له لقد قتلت صحفيا. وراحوا يصرخون في وطلبوا مني التراجع فقلت سأتراجع ولكن ارجوكم المساعدة ارجوكم المساعدة لوقف النزيف.
لكن مازن كان قد نزف كثيرا .. اخذ مازن نفسا اخيرا ومات امام عيني«.
وتستعد مدينة الخليل المحتلة لاستقبال جثمان مازن دعنا ..
وذكرت مصادر في المدينة مقربة من عائلة الضحية انها تتوقع وصول جثمان دعنا في غضون الساعات الاربع والعشرين المقبلة حيث ستتم مواراته في مقبرة المدينة الفلسطينية المحتلة.
ودعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين الى تشكيل لجنة دولية من الصحفيين لرفع دعاوى قضائية ضد المسؤولين عن الجرائم التي ترتكب بحق الصحفيين في العراق والتي كان اخرها مقتل الصحفي دعنا الذي انتدبته وكالة رويترز للعمل في بغداد .. وتقديم المسؤولين عن هذه الجرائم لمحاكم دولية عادلة.
وطالبت النقابة في بيان كافة الصحفيين العرب والصحفيين في الاتحادات الدولية الى اتخاذ المواقف والقرارات التي من خلالها يمكن وضع حد للاستهتار الاميركي – الاسرائيلي بحياة الصحفيين الذين يهدفون لرفع شأن الحقيقة دائما.
واعتبرت النقابة ان مقتل الصحفي دعنا على يد قوات الاحتلال الاميركي في العراق اضافة جديدة الى سجلاتها في الجريمة ضد الانسانية والمعرفة.