Skip links

الرقابة على الإنترنت في مصر: مساحة جديدة من القمع

دعمت الحكومة المصرية انتشار الإنترنت في منتصف فترة التسعينيات من خلال مبادرة الإنترنت المجاني التي أطلقتها في منتصف يناير 2002 أو مشروع “كمبيوتر لكل بيت” الذي يعطي العديد من الأسر فرصة الحصول على جهاز كمبيوتر، يسدد ثمنه بأقساط بسيطة.

إلا أن تلك المبادرات التي تعكس رغبة جادة لتيارات معينة في الحكومة المصرية في توسيع رقعة المستخدمين لشبكة الإنترنت للاستفادة من الثورة الرقمية في التنمية والتطور الاقتصادي لمصر، تكاد تفقد قيمتها على أرض الواقع للتناقض الذي يظهر بوضوح في تعامل تيارات أخرى مع مستخدمي الإنترنت في مصر.

فمنذ عام 2001 بدأت الشرطة المصرية في العصف بالعديد من مستخدمي الإنترنت، ولم يكد ينتهي عام 2003 حتى كان مجرد استخدام الإنترنت سببا لسجن العديد من الإسلاميين أو الصحفيين أو المثليين جنسيا أو النشطاء السياسيين.

ومما يؤكد الأمر أنه أنشئت إدارة جديدة منذ أعوام قليلة تتبع الإدارة العامة للمعلومات والتوثيق بعنوان “إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكة المعلومات ” والذي أطلق عليها المهتمين بحرية الرأي والتعبير في مصر لقب “شرطة الإنترنت”.

جمال عيد المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان التي أنشأت عام 2003 وهي منظمة غير حكومية تهتم بحق تداول المعلومات على الإنترنت ودعم الصحفيين في الصحف المطبوعة وصحف الإنترنت، أكد في حوار لقنطرة أنه بالرغم من أن الرقابة المفروضة على الإنترنت في مصر ليست في شدة الرقابة الموجودة في تونس أو السعودية، ولكنها تعد وصمة عار على جبين حكومة يشغل منصب رئيس الوزراء فيها شخص ينتمي في الأصل لحقل الاتصالات والمعلومات وهو أحمد نظيف.

حجب المواقع المعارضة
وأشار عيد إلى الأشكال المختلفة للرقابة الموجودة على الإنترنت في مصر ومنها سياسة حجب بعض المواقع مثل الموقع التابع للإخوان المسلمين www.ikhwanonline.com لشهور طويلة حتى ُرفع هذا الحظر عنه أخيرا عندما رأت السلطات أن الإخوان قاموا بإنشاء 11 موقعا جديدا.

وكان قد تقدم عبد الجليل الشرنوبي رئيس تحرير موقع الإخوان المسلمين برفع دعوى قضائية أمام مجلس الدولة ضد رئيس الحكومة المصرية أحمد نظيف بسبب منع بث الموقع الإلكتروني في عام 2004.

وشاركه في هذه الدعوى عامر عبد المنعم رئيس تحرير موقع جريدة الشعب الناطقة باسم حزب العمل المجمد www.alshaab.com وأحمد هريدي رئيس تحرير موقع الميثاق العربي www.almethaqalaraby.net حيث تم حجب مواقعهما أيضا.

وطالب رافعو الدعوة بإيقاف الحظر عن مواقعهم الإخبارية لأن هذا الإجراء يمثل اعتداء على حق التعبير عن الرأي.

وقد سمحت السلطات بعودة فتح موقع الميثاق العربي ولكن لم ُتفرج حتى الآن على موقع جريدة الشعب، ولكن يتم الدخول عليه من داخل مصر عبر المواقع البديلة التي تتخطى ما يسمي بالبروكسي وهي منتشرة علي الإنترنت.

مراقبة البريد الإلكتروني
النوع الثاني من الرقابة المفروضة على الإنترنت في مصر يتمثل في مراقبة البريد الالكتروني لبعض المستخدمين بدون تصريح من النيابة العامة، مما يعد انتهاكا للخصوصية وحقوق الإنسان.

وقد تسبب ذلك في القبض على العديد من الأشخاص بوصفهم متهمين، مثل القبض على المهندس أشرف إبراهيم عام 2003 الذي قيل إنه من خلال المعلومات في بريده الإلكتروني تبين انتمائه لتنظيم يساري، وإنه يرسل للخارج معلومات حول حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان في مصر مما يضر بسمعة وهيبة الدولة. إلا إنه حصل على البراءة لعدم قدرة “شرطة الإنترنت” على إثبات هذه المعلومات.

قضية أخرى خاصة باعتقال المهندس صلاح هاشم الذي وجه له الاتهام بأنه ضمن مؤسسي تنظيم الجماعة الإسلامية وذلك بعد تبادله لبعض رسائل البريد الإلكتروني مع قياديين إسلاميين بالخارج.

وقضية القبض على شهدي نجيب سرور خبير الإنترنت وابن الشاعر الراحل نجيب سرور في 30 يونيو 2002 والذي ُحكم عليه فيها بالسجن لمدة عام، إلا إنه سافر في مرحلة الاستئناف إلى روسيا لأنه يحمل جنسية روسية حتى يسقط عنه الحكم.

وكانت التهمة الموجهة إليه هي نشر قصيدة لوالده على أحد المواقع الإلكترونية بزعم احتوائها على عبارات مخالفة للآداب العامة ولكنها في الحقيقة بها مواقف نقدية سياسية.

وتعد هذه النوعية من القضايا جديدة على المجتمع المصري وتفتقر للقوانين المحددة، بالإضافة إلى عدم وجود الإلمام الكافي لدى الكثير من الجهات القضائية بالأمور المتعلقة بكيفية عمل الكمبيوتر أو الإنترنت، حسب رأى جمال عيد.

مصيدة للإيقاع بالمثليين
وتقوم الشرطة المصرية أحيانا باستدراج بعض المثليين من على شبكة الإنترنت ونصب الفخاخ لهم ثم الزج بهم خلف السجون طبقا لمنظمة “هيومان رايتس ووتش” التي أقرت أن 46 رجلاً مصرياً على الأقل قد اعتقلوا وتمت محاكمتهم بتهمة السلوك المثلي منذ بدايات عام 2001 حتى نهاية 2003 إثر وقوعهم في فخ شرطة عبر الإنترنت.

فكان يتم استدراجهم عن طريق أشخاص يعقدون صداقات معهم على غرف الدردشة، وبعد فترة يتم تحديد لقاء ليقبض فيه عليهم بجريمة الفجور.

ويؤكد مركز الأرض لحقوق الإنسان أن الاعتبارات الأخلاقية ينبغي ألا تكون الحجة للرقابة وانتهاك حقوق المواطنين في تداول المعلومات والمعرفة وأن أية تهديدات لحرية تداول المعلومات مهما كانت مبرراتها أو مصدرها يجب أن تتوقف لأنها تعتبر تعدياً على حرية الرأي والتعبير.

وطالب المركز بضرورة دعم حرية الانترنت وبقائه ساحة مفتوحة للمواطنين والمؤسسات الدولية والمحلية حتى يتم تدفق وتداول المعلومات والأفكار بحرية.

مقاهي الانترنت….حرية زائفة؟
ومن الأنماط الأخرى للرقابة المصرية إحكام سيطرتها على مقاهي الإنترنت التي أصبحت منتشرة بصورة واسعة جدا في مصر، وخاصة في المناطق الفقيرة لعدم قدرة سكانها على شراء جهاز كمبيوتر.

فالشرطة المصرية تلجأ لأساليب غير قانونية استنكرتها عدة جهات ومنظمات تعمل في مجال حقوق الإنسان في مصر.

فالشرطة تطلب من أصحاب مقاهي الإنترنت عمل سجلات لكل مواطن يرغب في استخدام الإنترنت عبر الحصول على اسمه وبيانات بطاقته الشخصية وأرقام هواتفه، بل يصل الأمر أحيانا إلى إيهام مستخدمي هذه المقاهي بأن ذلك يحدث لوجود سحب على جوائز.

وتعطى الشرطة أوامرها لأصحاب هذه المقاهي بمراقبة هؤلاء المستخدمين لإبلاغهم فور تصفح أحدهم أي مواقع سياسية أو دينية أو جنسية مشبوهة، مما يضطر أصحاب المقاهي لملئ هذه السجلات بأسماء وأرقام بطاقات وهمية حتى لا يغضبوا الشرطة من ناحية ولعدم إثارة ضيق ورفض الزوار من ناحية أخرى.

ويوجد بالطبع حالة من التعسف الذي يمارسه ضباط الشرطة على أصحاب هذه المقاهي حتى يحصلون منهم على رشاوى أو ما يسمى بالإكراميات، وإلا يتم غلق المقاهي ورفع قضايا عليها لأي سبب يدعيه ضابط الشرطة.

المطالبة بقانون الإنترنت
وأحدث أشكال الرقابة المصرية على الإنترنت تتمثل في الرقابة على المدونات حيث تم القبض منذ شهرين لأول مرة على طالب جامعي يمتلك موقع للمدونات على الإنترنت، بسبب أرائه على الموقع التي ينتقد فيها بعض المسلمين لسلوكهم في أحداث الفتنة الطائفية التي حدثت بين المسلمين والمسيحيين لعرض مسرحية بأحد الكنائس في الإسكندرية اعتبرها المسلمون مسيئة لدينهم.

وقد تقدمت جمعية المساعدة القانونية لحقوق الإنسان ببلاغ للنائب العام تطالبه بالتحقيق في اعتقال هذا المدون الشاب حتى أفرج عنه بعد 14 يوم من اعتقاله. وأكد طارق خاطر مدير الجمعية أن اعتقال هذا الطالب بسبب أرائه يعد مخالفا للقانون والدستور المصري وللمواثيق الدولية.

وتطالب عدة منظمات حقوقية مصرية بضرورة وجود قوانين وتشريعات تضبط عالم الإنترنت في مصر لأن معظم الجهد القانوني الذي ُبذل حتى الآن ينصب فقط على جهود مكافحة وحماية حقوق الملكية الفكرية ومكافحة أعمال القرصنة على البرامج أو حماية بعض حقوق المتعاملين في التجارة الإلكترونية.

ولكن لم يظهر إلى الآن في مصر قانون يتسم بالنضج والحرية ويرسي تقاليد التعامل مع قضايا نشر الرأي على الإنترنت، ففي ظل عدم وجود مثل هذا القانون يظل المجال واسعاً للمزيد من انتهاكات الشرطة.