Skip links

الصحافة المصرية المستقلة وراء القضبان

قضت إحدى المحاكم المصرية بحبس أربعة صحافيين لمدة سنة بتهمة سب وقذف قيادات في الحزب الوطني الحاكم، والصحافيون الأربعة هم إبراهيم عيسى، رئيس تحرير صحيفة الدستور، عبدالحليم قنديل، رئيس التحرير السابق لصحيفة الكرامة، عادل حمودة، رئيس تحرير صحيفة الفجر ووائل الأبراشي، رئيس تحرير صحيفة الأمة.

يأتي هذا التحول الخطير في التعاطي مع الصحافة المصرية المستقلة في ظل أجواء الحديث عن مرض الرئيس المصري حسني مبارك واتهام الصحف المذكورة بترويج "الاشاعة" ، إضافة إلى التطاول على الرجل وعلى قيادات الحزب الوطني. ما يلفت الانتباه في مبررات الأحكام هو خلطها الواضح والصريح بين الدولة وبين الحزب الوطني الحاكم ، لكأنه هو الدولة وهو الوطن، وليس مجرد حزب يتنافس من أجل الفوز في الانتخابات في ظل لعبة ديمقراطية.

نعلم أن العالم العربي لم يعش إلى الآن واقع الديمقراطية الحقيقية والتداول على السلطة ، وأن الأحزاب الحاكمة هي الوطن وهي الدولة في واقع الحال ، لكن الهامش الديمقراطي غالباً ما كان يتجلى ، بخاصة في مصر، في حرية الصحافة المستقلة، وربما الحزبية في انتقاد الأوضاع القائمة ، مع العلم أن تأثير ذلك يبقى بالغ المحدودية في بلد تسيطر فيه الحكومة والحزب الحاكم على أهم الصحف والمنابر الإعلامية ، فيما لا تقصر هذه الأخيرة في تبرير المواقف الرسمية على مختلف الصعد ، بما فيها تلك المتعلقة بالحريات ، وعندما تحتفل بعض تلك الصحف المسماة قومية باعتقال وحبس الصحافيين ، ففي ذلك ما فيه من دلالة على بؤس الواقع الإعلامي والثقافي وحتى السياسي في البلاد.

لسنا من أولئك الذين يرون الصحافيين كائنات فوق النقد أو فوق الحبس ، لأن فيهم الكثيرين ممن لا يستحقون الاحترام ، لكن ما جرى للصحافيين الأربعة هو محض مطاردة لحرية التعبير ، ومحاولة يائسة لإعادة الناس إلى المربع القديم ، هم الذي تجاوزوا عقد الخوف ، وباتوا أكثر جرأة في انتقاد أوضاعهم الداخلية ، رغم أن عصا القمع لم تتراجع ، بدليل ما يجري للقوة السياسية الأكبر في الساحة المصرية ممثلة في جماعة الإخوان التي صار قادتها وكوادرها الأكثر تردداً على السجون في السنوات الأخيرة، وبالطبع تحت دعوى أنهم ينتمون إلى جماعة محظورة لا يغير في مسماها الإضافي وجود 88 نائبا لها تحت قبة مجلس الشعب.

إذا اعتقد المعنيون أن اعتقال الصحافيين الأربعة سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء فهم واهمون ، فقد تجاوز الناس عقد الخوف ، أما تنفيذ الإجراء الذي يتخوف منه الناس ممثلاً في التوريث فلن يزيد الوضع إلا احتقاناً على احتقانه القائم.

ماذا يتبقى من الديمقراطية في العالم العربي إذا منحت الحصانة للأحزاب الحاكمة ، وصارت هي الدول وهي الأوطان التي يصنف المساس بها بوصفه شكلاً من أشكال الخيانة ، وماذا يتبقى من الديمقراطية إذا شطب الهامش البسيط من حرية الصحافة في ظل سيطرة الأحزاب الحاكمة على أكبر المنابر وأهمها في البلاد؟.

في ضوء ذلك يستحق الصحافيون الأربعة الكثير من التضامن من قبل نقابات الصحافيين والدوائر المعنية بحرية الرأي والتعبير في العالم العربي ، ولنتذكر جيداً أن ما يحدث في مصر ما زال يتكرر في أكثر الدول العربية بعد أن تراجعت الأنظمة عن مسار الإصلاح بضوء أخضر من الولايات المتحدة التي قايضت ذلك بمواقف داخلية ، وبأخرى ذات صلة بقضايا الأمة الكبرى من فلسطين إلى العراق والسودان.