Skip links

الصحافة الورقية و«أزمة» البقاء!

هل تقف الصحافة الورقية على عتبة «خطرة»؟ هل سنشهد تدريجياً انقراض الورق واندثار نزف القلم ليحل بديلاً عنه «الكيبورد» ومصطلحات الصفحات الالكترونية؟ هل سيشهد العالم الغربي مزيداً من تحول الصحف الورقية إلى الالكترونية ويلحق بها «المقلد» العربي؟ هل فعلاً تواجه صحافة الورق «أزمة» في القرن الحادي والعشرين؟

 

مطلع الأسبوع الماضي، أعلن رئيس تحرير صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» جون يما، أن صحيفته التي تصدر ورقياً منذ حوالى 100 عام، ستتوقف عن طباعة النسخ الورقية وتتحول إلى الكترونية. وبهذا تصبح «كريستيان ساينس مونيتور» أول صحيفة من كبريات الصحف الأميركية تحتجب ورقياً لتصدر عبر الانترنت فقط. ورئيس التحرير أوضح أن الخطوة التي اتخذتها صحيفته من شأنها خفض التكاليف بعد تراجع توزيعها إلى 52 ألف نسخة في مقابل 200 ألف العام 1970. الصحيفة ستكتفي بالبث الالكتروني ابتداء من إبريل (نيسان) 2009، ولن تصدر ورقياً الا مجلة تحمل اسمها في كل يوم أحد.

 

ما يستدعي المناقشة لكل المهتمين والعاملين في المهنة، هو ما ورد في كلام رئيس تحريرها بقوله: «لدينا فرصة للقيام بقفزة مهنية ستضطر معظم الصحف لاتخاذها خلال السنوات الخمس المقبلة»، مشيراً إلى أن الصحيفة لم تتخذ قرارها على عجل، بل صدر بعد عامين من البحث والتقصي، ما سيتيح لها تحقيق معادلة بين النفقات والعائدات، خصوصاً بعد ان خسرت في عام واحد نحو 19 مليون دولار.

 

تحول الصحيفة كلية إلى النشر الالكتروني، تزامن مع الكشف عن دراسة أميركية أيضاً، مفادها أن توزيع الصحف انخفض في العام الماضي بنسبة 4.6 في المئة، عقب انتشار «المارد» الالكتروني عالمياً.

 

السعودي الدكتور سعود كاتب متخصص في الاعلام الالكتروني، نقل في مقدمة كتابه القيِّم «الاعلام القديم والاعلام الجديد… هل الصحافة المطبوعة في طريقها للانقراض؟» للأميركي ريتشارد ديفيد قولاً مختصره: «لا اعتقد أنه سبق لدور النشر أن واجهت أو ستواجه في المستقبل فرصاً للربح كهذه التي أمامها اليوم، وفي الوقت نفسه فإنني لا أعتقد أنه سبق لها ان واجهت أو ستواجه في المستقبل خطراً يهدد وجودها كهذا الذي تواجهه اليوم». الدكتور كاتب تساءل في كتابه عن مستقبل الصحافة الورقية، وكيف ستكون حالها بعد عشرة أو عشرين عاماً من الآن، مستشهداً بآراء عدد من المتخصصين والمهنيين.

 

لا شك في ان الأزمة المالية العالمية الراهنة شكلت ضغطاً على المعلن (التاجر)، ما قد يشكل في المقابل ضغطاً على الناشر.

 

أعتقد ان المعلن سيضطر إلى ابتكار طرق جديدة لترويج سلعته إعلانياً بأسعار «مخفضة»، ما يعني ان بعض المعلنين سيتجهون إلى الانترنت عاجلاً أم آجلاً، بسبب انخفاض كلفة الإعلان الإلكتروني مقارنة بالمطبوع.

 

أعتقد ان صحافة الورق ستبقى حية، ولن تنقرض الا حينما تتجاهل التطوير والتجديد في الأفكار وفق متطلبات العصر وإيقاعه السريع، وهو ما يتوجّب عليها إحداث بعض التغييرات المهنية، مثل المزج بين المادة التحريرية وتفاصيلها ورقياً والكترونياً، والتفكير في كيفية خفض التكاليف بعيداً عن التأثير على السياسات التحريرية.

 

الصحافة الالكترونية تثبت يومياً انها منافس عتيد وعنيد للصحافة الورقية، بل إن كثيراً من الناس أصبح لا يتصفَّح الأخبار إلا عبر المواقع الالكترونية وليس عبر الأحبار الورقية، ما يعني ان المرحلة المقبلة ستشكل خطراً «داهماً» على الصحافة المطبوعة، بدليل أنه لا يكاد تكون هناك وسيلة إعلامية، خصوصاً الورقية، إلا ولها نسخة عنكبوتية، بهدف زيادة تأثيرها وحجم انتشارها.

 

من ناحية أخرى، تعتبر المواقع الإلكترونية أكثر حرية وصداقة وتفاعلية مع القارئ، خصوصاً التي تشرِّع الباب أمام القرَّاء للتعليق على الأخبار والمقالات وقبول وجهات النظر، سواء كانت مؤيدة أو معارضة.

 

الأكيد ان الإعلام كوسيلة لن ينقرض، وستظل غايته موجودة لتعبر عن رغبات الجماهير وتطلعاتها وأخبارها، سواء كانت عبر وسائله المقروءة أو المرئية أو المسموعة أو الالكترونية أو عبر أي منتج جديد، فمثلما أصبحنا نتصفح أخبارنا والعالم على شاشة «موبايل» صغيرة، ربما نشهد قريباً صناعة جديدة تتفوق على كل الموجود ولا تعترف بـ «الحميمية» التي يدَّعيها أهل الورق.