Skip links

الصحافة ورمي المحصنّات!

أعطى شيخ الأزهر، في فتواه بجلد الصحافيين ثمانين جلدة، بتهمة رمي المحصنّات، مادة فكاهية لا تنضب. لم يدافع محمد سيد طنطاوي، في فتواه، عن المحصنات، بل كان يبيّض وجهه مع الرئيس المصري حسني مبارك، ويدافع عن الحملة الشرسة التي شنها النظام المصري ضد الصحافة، بتهمة نشر اخبار كاذبة عن الوضع الصحي للرئيس المصري.

ليس من الملائم وضع الفتوي الأزهرية الغريبة في خانة الموجة القمعية ضد الثقافة التي تشنها الاوساط الاسلامية الاصولية في مصر. بل يجب وضعها في سياق آخر، اسمه الانحطاط السياسي الشامل. وشيخ الأزهر ليس مسؤولا بالطبع عن هذا الانحطاط، لكنه وجد نفسه متابعا لعمل بدأ منذ العصر المملوكي، قطعه عصر النهضة، ثم اعادت الديكتاتورية وصل ما انقطع، بحيث عادت الامور الي مكانها القديم، وصارت الفتوي مجرد تسويغ او تزيين للقرار الذي يتخذه السلطان.

الحملة علي الصحافة والصحافيين في مصر يجب ان تقرأ في هذا الاطار. اي في اطار الغيبوبة السياسية الشاملة التي فرضت علي مصر بعد هزيمة حزيران وبعد انهيار المشروع الناصري. ولقد سبق للسادات ان قام بحملة اعتقالات ضد الصحافيين والمثقفين قبيل اغتياله، في سبيل الدفاع عن مشروعه السياسي الارعن في كامب دايفيد، الذي اوصل مصر الي الحضيض.

تعاني مصر اليوم من مشكلتين سياسيتين كبريين:

الأولي اسمها الغياب، والثانية اسمها الغيبوبة.

الغياب لا ينعكس علي مصر وحدها، بل يرخي بظلاله علي المشرق العربي برمته. لقد خرجت مصر من دائرة القرار الأقليمي، ويجري التعامل الدولي مع هذا الخروج في وصفه انتصارا ساحقا للولايات المتحدة. فمع الخروج المصري الذي اكتمل في كامب دافيد، بدت قيادة المنطقة وكأنها صارت في يد العدو التقليدي للناصرية، اي المملكة العربية السعودية. غير ان السعودية لا تملك مشروعا قوميا. في الماضي خاضت حربا شرسة علي القومية العربية باسم المؤتمر الاسلامي، ثم وبعد خروج مصر من الحلبة، لم تستطع ان تشكل سدا في وجه الانهيار الذي وصل الي ذروته مع الاجتياح العراقي للكويت وما استتبعه من حروب ادت الي احتلال العراق. كما انها لم تستطع ان تكون طرفا مستقلا، فالخدمة المجانية التي قدمتها للولايات المتحدة في حرب افغانستان، انقلبت وبالا عليها وعلي المنطقة، وصارت عاجزة عن سد الثقوب في الجسم العربي، وفقد المحور السعودي السوري المصري مبرر وجوده، امام مسلسل العجز، وخصوصا في فلسطين.

الغياب المصري عن حلبة الشرق الأوسط، ترك الحلبة شبه فارغة، مما سمح لايران بمحاولة سد الفراغ، واطلق اليد الامريكية تعبث بالمنطقة، وتضعها في الهاوية.

اما الغيبوبة فانها تضرب اوصال السلطة في مصر منذ تحول امنية التوريث الي ما يشبه القرار. انها المرة الأولي في التاريخ الحديث التي تقرر فيها مصر استيراد نموذجها السياسي، من نظامين كانا تقليدا كاريكاتوريا للتجربة الناصرية. اي من البعثين السوري والعراقي. واذا كان البعث العراقي قد ذهب الي نهايته التعسة بسبب النزق والصلافة، فان نجاح الرئيس السوري حافظ الاسد في توريث السلطة الي نجله الثاني، خلق النموذج الذي يريد مبارك تقليده. لذا لم يعين الرئيس المصري نائبا له، رغم تقدمه في السن، تاركا الباب مفتوحا لنجله كي يرث سلطة العسكر عبر الاتكاء علي سلطة رجال الاعمال.

قرار التوريث اوقع النظام في الغيبوبة الكاملة، اذ لم يعد يري في السلطة سوي وسيلة لنقل السلطة من الاب الي الابن، وبذا دخلت السياسة المصرية في السبات، ومعها تلاشي الدور المصري الاقليمي في شكل كامل.

ولم يعد هناك من بديل من النظام سوي حركة الاخوان المسلمين، التي سوف يعطيها مشروع التوريث، اضافة الي ثقلها السياسي والاجتماعي والايديولوجي، شرعية الاستيلاء علي الحكم، في اللحظة التي ستعلن فيها الازمة العامة للنظام السياسي المصري.
الغياب والغيبوبة انعكسا في شكل فاضح علي الحريات العامة، وقاما عمليا بافساح المجال امام القمع والتهميش الذي تتعرض له الثقافة الحديثة في مصر، كما فتحا الباب امام المحنة التي تعانيها الصحافة، والتي بلغت ذروتها مع فتوي جلد الصحافيين التي اطلقها شيخ الأزهر.

نعود الي الفتوي نفسها التي تكشف لنا غرابة الوضع الثقافي في مصر الذي صار هجينا ولا منطق له. فالصحافة، مثلما نعلم، اداة ثقافية اعلامية مرتبطة بالحداثة. بل ان النهضة الثقافة واللغوية في القرن التاسع عشر انطلقت من الصحافة.

لذا فان القانون الوحيد الصالح للتعامل معها هو القانون الوضعي. اما ان تستعاد اليوم تعابير غريبة وفتاوي حول الجلد وما شابه، فانها اشبه بالنكتة المخيفة. وهنا لا بد من التذكير بالعودة الي قانون الحسبة، الذي قاد الي خلق مناخ محاكم التفتيش في الثقافة المصرية، وحوّل مجموعة من المشايخ الي رقباء علي الحياة الثقافية، في محاولة لتحطيم ثقافة النهضة وادخال المشرق العربي في نفق التفكك.

جلد الصحافيين يبدو اليوم مزاحا يثير الضحك، لكنه قد يصير غدا حقيقة، وهذا الامر مرهون بالمدي الزمني الذي تحتاجه مصر، من اجل الخروج مـن هذه الغيـبوبة المريبة.