Skip links

الصحف الاسبوعية.. ظالمة أم مظلومة؟

(الكاتب.. هو الذي يستطيع الصعود والنزول على سلم الحياة بسهولة تامة) بذلك لخص جبرا ابراهيم جبرا دور الصحفي الحقيقي من وجهة نظره، ذلك أن دوره يكمن بقدرته على الحركة والتأقلم مع الأحداث بذكاء وحنكة، لكن في الوقت ذاته، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها ان هذه المقولة لا يمكن تعميمها على الصحفيين والكتاب كافة لكونهم لا يملكون القدرات ذاتها، والأهم انه لا تتوفر لهم ذات الظروف والامكانيات للتعايش مع تلك الفلسفة، وبالتالي نجد تبايناً غريباً في عالم الصحافة.

ففي الوقت الذي نجد فيه صحفا تأخذ قالبا لغويا ومهنيا لا يمكنها الخروج منه، فإننا نجد صحفاً أخرى تأخذ طابعاً آخر أكثر حرية.

ولا يختلف اثنان هنا على أن نمطي الصحافة السابقين هما طرفان لمعادلة واحدة تكملان معا صورة واقعية للنهج الصحفي المحلي، فهناك صحف ملتزمة الى حد كبير بنهج معين قيد حريتها في التعامل مع الكثير من الاحداث، وأخرى تتبع تقاليد مهنية مختلفة تمكنها من رفع سقف الحرية دون اي ضوابط علما أن هذا النمط الصحفي لا يروق للكثيرين.

واستناداً الى طبيعة التركيبة الاعلامية في كل دولة ومنها الاردن، فإن الصحافة الاسبوعية في الغالب، هي التي تنتهج اسلوب الصحافة »الفروسية« – ان صح التعبير – اي تلك التي لا تعتمد على اسلوب الخبر النمطي في اغلب الاحيان بل تعتمد الناحية التحليلية وكذلك القصص التي يرتفع فيها سقف الحرية بأشكال متعددة على حساب المهنية احياناً، وتلجأ الى الصيغ الضبابية او غير الواقعية!!

وهذا الدور يرى فيه اعلاميون ومحللون انه مكمل للمشهد الصحفي، كونه يوفر مساحة واسعة للرأي الآخر وكشف قضايا الفساد وطرح القضايا التي لا تجد لها مساحة في الصحف اليومية، اذا تعاملت معها بجدية ومهنية، فيما يرى آخرون ان هذا النوع من الصحافة يمثل نقطة سوداء في المشهد الإعلامي المحلي ولابد من وقفه، نظراً للجوء بعض هذه الصحف الى تشويه الحقائق والخوض في الحياة الشخصية للناس، اضافة الى ابتعاد بعضها عن المصداقية.

ومن مظاهر عدم اتزان رسالة بعض الصحف الاسبوعية كذلك، بحسب العاملين بها عدم استقرار الاوضاع المالية فيها وغياب اي امن وظيفي مطلقا، الى جانب تعدد سياساتها الوظيفية بين الحين والآخر، الأمر الذي يؤثر على اداء العاملين فيها، ويبدل آليات التعامل مع الأحداث والأخبار من إدارة لأخرى.

رفض الحكومات
والواقع ان موقف الحكومات من هذه الصحف لم يكن يوما يعبر عن رضى كامل. بل كان لها باستمرار – بحسب رؤساء تحرير عدد من الاسبوعيات – مواقف سلبية منهم، وكانت تعامل صحفهم بوصفها من الدرجة الثانية وتمارس معهم سياسة الفصل العنصر بين الاسبوعية واليومية، سواء من حيث استثناؤها من الدعوة الى اللقاءات الرسمية او في التعاطي الاعلاني، او حتى في نظرة الاحترام غير انه ومقابل ذلك، فقد تم منح تراخيص عديدة لصحف اسبوعية وصلت آخر احصائية لها بحسب دائرة المطبوعات والنشر الى (21) صحيفة اسبوعية وطلبين جديدين ينظر فيهما حالياً.

وقد يكون للحكومات مبررها الشرعي في نظرتها واجراءاتها من الاسبوعيات وذلك نتيجة للتجاوزات التي تقترفها بعض الاسبوعيات، والتي وصلت في بعض الاحيان الى حد الاساءة للعلاقات الاردنية العربية، الأمر الذي يدعونا الى الوقوف على »واقع هذه الصحف« ظالمة.. أم مظلومة؟!!

رؤساء التحرير
بداية اللقاء كانت مع رؤساء ومدراء تحرير بعض الاسبوعيات الذين اجمعوا على ان هذا النوع من الصحافة يعاني مشاكل عديدة، وان السبب الرئيسي لهذه المشاكل يكمن في ان بعض الصحف اساءت للثقافة بأسرها، معترفين بوجود نوعية رديئة منها تطول الصحافة الاردنية بمجملها، مؤكدين ضرورة ان يكون الاصلاح من داخل بيت الصحافة الاسبوعية والعمل على معالجة حالة القصور الذاتي التي تعاني منها سواء كان مهنياً او ادارياً او مالياً، وأن لا تترك ثغرات تسمح بتدخل حازم يؤدي الى اغلاق بعض هذه الصحف او اي اجراءات تعسفية من شأنها قمع الحرية الصحفية.

الى ذلك، قال رئيس تحرير صحيفة »السبيل« الاسبوعية عاطف الجولاني ان هناك حملة ظالمة تتعرض لها الصحف الاسبوعية باستمرار. وفي الغاب يكون ذلك من قبل الحكومات والمسؤولين، نتيجة السقف المرتفع للنقد الذي تمارسه الصحافة الاسبوعية، الأمر الذي يزعج بعض المسؤولين الذين تعودوا لفترات طويلة على سقف منخفض من النقد والرقابة.

واضاف الجولاني قائلاً: أنا لا أدافع بالمطلق عن الصحافة الاسبوعية فلنا ملاحظات على بعض الممارسات، ولكن ينبغي النظر للايجابيات والسلبيات عند مناقشة وضع الصحافة الاسبوعية. فعلى الرغم من وجود تجاوزات من بعضها، وافتقار أخرى لأي مستوى فهي او موضوعي، غير أن الحكم بالتعميم على كل الصحف الاسبوعية هو في تقديري، حكم ظالم، فالدور الذي تمارسه على صعيد الرقابة ورفع مستوى الحرية امر لا يمكن تجاهله.

وأضاف الجولاني: الصحافة الاسبوعية عملت على رفع مستوى الحريات الصحفية في الاردن، ودفعت الصحف اليومية الى تحسين ورفع هذه السقوف، وعليه فإني اتمنى ان تتوقف حملات التشويه التي تضع جميع الصحف الاسبوعية في خانة الاتهام.

فصل عنصري
وأشار الجولاني الى ان الحكومات المتعاقبة تتعامل مع الصحافة الاسبوعية بوصفها من الدرجة الثانية، وتمارس سياسة فصل عنصري بين الصحف الاسبوعية و اليومية، سواء من حيث الدعوة الى اللقاءات الصحفية او التعاطي الاعلاني او من حيث النظرة والاحترام.

ورغم تأكيده ان جزءاً من المسؤولية يقع على الحكومة، الا انه عاد وأكد ان الشطر الاكبر بذلك يقع على عاتق الصحف نفسها التي ساءت لنفسها وللصحافة الاسبوعية عامة.

وقال الجولاني: ان الحل يجب ان يبدأ من البيت الصحفي نفسه. وقد كنت قد بدأت بالفعل بمبادرات لإنشاء منتدى للصحافة الاسبوعية، غير انها اجهضت، لأن بعض الصحف اثرت ان تبقى بعيدة عن اي أطر تضبط ايقاعها، فبقيت الفكرة مجمدة.

ثمن الحرية
من جانبه، رأى رئيس مركز حماية وحرية الصحفيين، رئيس تحرير جريدة »الحدث« الاسبوعية، ان للديمقراطية وحرية الاعلام ثمناً علينا دفعه، وأن تطور التجربة الاعلامية لا يأتي بكبسة سحرية يتم من خلالها تحقيق ما نريد، فالأمر بحاجة الى وضع آليات لتطوير وتحسين اوضاع العاملين في المؤسسات الصحفية، والتركيز على ضرورة الحكم بين الناس بالقانون. وإذا تجاوزت أي صحيفة على القانون لا يمكن لأحد معاقبتها سوى القضاء المدني الذي يضمن حقوق التقاضي ويكفل حرية التعبير والإعلام استناداً الى الدستور والمعاهدات والمواثيق الدولية التي صادق عليها الاردن في مجالات الحريات العامة.

وأشار منصور الى ضرورة ان تكون التشريعات الاعلامية ناظمة للاعلام، حتى لا نجتهد بين الحين والآخر في تغييرها، وهذا الأمر يستدعي وضع استراتيجية واضحة تقدم ارضية واضحة وثابتة للتشريعات المتعلقة بالإعلام.

وانتقد منصور اسلوب حل القضايا الاعلامية باتفاقيات ووعود ودية، لأن ذلك لا يكفل حرية الاعلام، بل على العكس فهو يؤثر سلباً على مسيرتنا الاعلامية ولا تكفل حقوقنا.

وأكد منصور أنه كانت هناك عدة مبادرات لتطوير الصحافة الاسبوعية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تريد الحكومة، حقاً، صحافة مستقلة متطورة؟ وأضاف: للاسف نحن نشكك بذلك، لأن معظم الصحف لا تراعي التقاليد المهنية علماً بأنها كانت قد حظيت بالدعم الأكبر منذ البداية من بعض الاطراف الحكومية.

من جهتها، أشارت غدير ابو سرية وهي محررة في صحيفة »الهدف« الاسبوعية الى ان اهم ما يحتاجه الصحفي في الاسبوعيات هي الحماية والحرية التامة بعيداً عن اي معوقات.

وأكدت وجود تجاوزات من بعض الاسبوعيات، موضحة أن طبيعة عمل الصحافة الاسبوعية يحتاج الى اسلوب كتابة صريحة وواضحة اكثر من الصحافة اليومية، وهذا الأمر يتطلب حرية تامة تضبطها الحقيقة والمعلومة الصحيحة.

وبعد ان اطلعنا على وجهة نظر الاسبوعيات، ارتأينا بعد ذلك ان نكمل المشهد بلقاء ما نعتقد انها الجهة القادرة على ضبط اداء هذه الصحف، التي يعترف رؤساء تحرير عدد منها بوجود تجاوزات تسيئ للاسبوعيات كافة.

فهل المعني بالتوضيح المجلس الاعلى للاعلام، ام نقابة الصحفيين؟ هي اسئلة تخطر على الذهن وصولاً الى صيغة توافقية تضبط اداء هذه الصحف من جانب، وتحميها من جانب آخر.

المجلس الاعلى للاعلام… لا سلطة رقابية له
رئيس المجلس الاعلى للإعلام ابراهيم عز الدين اشار الى ان دور المجلس ينحصر بتقديم توصيات عامة ليس في اي وضع صحفي او اعلامي، ذلك ان الجهة المنظمة لوضع الصحافة الاسبوعية هي دائرة المطبوعات والنشر اما المجلس الاعلى فمهمته تحسين مستوى الصحافة من حيث التدريب وعقد الندوات المختصة في مثل هذه الأمور، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الحكومة والجسم الصحفي، اضافة الى تحليل المضمون العام للصحافة وليس فقط للاسبوعيات، ويكون ذلك اواخر العام الجاري، من خلال بحث علمي نقدمه دون ذكر لأسماء الصحف.

وأكد عز الدين ان نقابة الصحفيين ودائرة المطبوعات والنشر هما الجهتان المعنيتان بضبط عمل الصحافة، اما المجلس الاعلى فقانونه لا يسمح له بالتدخل في الصحف او بسياساتها على الاطلاق، وإذا حدث ذلك فيتم بالحسنى فقط.

شكاوى اسبوعية
نقيب الصحفيين طارق المومني، اشار بداية الى أن الصحافة الاسبوعية ساهمت الى حد كبير في رفع سقف الحرية وكشف قضايا الفساد، وبالتالي فإن أحداً لا ينكر دورها الواضح في رفد المسيرة الصحفية في الاردن، ولكن في الوقت ذاته لا يمكننا وضع الصحف الاسبوعية كافة في سلة واحدة، من حيث التزامها بالقانون وممارستها للعمل الصحفي بمهنية ومصداقية وحيادية.

ذلك ان ثمة عدداً محدوداً جداً منها يخرج عن هذا الاطار ويتجاوز القوانين وميثاق الشرف الصحفي وعليه فإننا نتمنى ونطلب من كل الاسبوعيات العمل بمهنية وتجنب ارتكاب مخالفات من شأنها إعطاء مبرر لوضع تشريعات تقيد حرية الصحافة.

النقابة والتجاوزات
وأكد المومني ان النقابة لم تصمت تجاه اي تجاوزات رأيت فيها مخالفات قانونية لميثاق الشرف الصحفي، مؤكداً ان المجلس يبحث في كل جلسة عدداً من الشكاوى المقدمة ضد صحف اسبوعية. ويقول المجلس بدراستها وتبحث تفاصيلها. وقال: نحن على اتصال مباشر مع رؤساء تحرير هذه الصحف باستمرار لإبلاغهم بالمخالفات التي ترتكب وتؤكد عليهم ضرورة البعد عن التجريح واغتيال الشخصية في الحياة الخاصة للناس، وعليه فإني أوكد اننا لا نهمل اي قضية مطلقاً، بل نتابعها جميعاً، ونتخذ بشأنها ما يلزم.

وقال المومني ان الصحافة الاردنية، بصورة عامة، موضوعية وملتزمة، لكن هذا الاستثناء من بعض الاسبوعيات لا يعني تعميم الصورة السلبية، سيما وأننا نخوض حواراً مستمراً مع هذه الصحف وهناك تجاوب تجاه كل مطالبنا.

ووفق آراء عدد من الاعلاميين فإنه لا يمكن فصل الصحف الاسبوعية عن حزمة الإعلام الاردني بعامة، فهي جزء مكمل للمشهد بشكل عام، كما أنه لا يجوز تعميم فكرة السلبيات والايجابيات على الاسبوعيات كافة، ذلك ان هناك بعض الصحف الاسبوعية ساهمت في رفع سقف الحريات وغيرت شكل الخارطة الاعلامية، مقابل تجاوزات سلبية أخرى من بعض الاسبوعيات.

ادوار مكملة
مدير عام وكالة الانباء الاردنية (بترا) فيصل الشبول اكد انه لا يمكن التعامل مع الصحافة الاسبوعية بوصفها حزمة منفصلة عن الصورة الإجمالية للاعلام الاردني، فهي مكملة لدور العديد من المؤسسات الاعلامية، ولها ايجابيات وسلبيات، فهي ساهمت برفع سقف العمل الصحفي والحرية الصحفية لكن في الوقت ذاته كان لبعضها ممارسات سلبية مخجلة احياناً.

وأكد الشبول انه كإعلامي يدعم من حيث المبدأ الحريات الصحفية، لكن ان يصل الامر الى المساس في بنية المجتمع وأخلاقه وعاداته وتقاليده فهذا مرفوض في العمل الاعلامي.

ورأى الشبول ان حسم هذه المسألة لن يكون الا من داخل البيت الصحفي، وذلك بعقد اجتماع موسع يجمع نقابة الصحفيين والمجلس الاعلى للاعلام والمعنيين بالصحف الاسبوعية وصولاً الى مبادئ مهنية تلتزم بها الأسرة الصحفية كافة، ونحقق من خلالها الحد الادنى من الحريات الصحفية المسؤولة.

ومن جانبه قال نقيب الصحفيين الاسبق عرفات حجازي ان تجاوزات الصحف الاسبوعية الموجودة لدينا لا تختلف عن نظائرها في كل بلاد العالم، ودائماً ما يقابل الصحف التي تقترف تجاوزات، اسبوعيات اخرى لا يمكن تجاهل انجازاتها ولا يجوز الخلط بينها وبين الصحف الاخرى، وأنا شخصياً لدي قناعة ان الاسبوعيات في الاردن مظلومة، نظراً لتعميم فكرة السلبيات عليها وتجاهل ايجابياتها.

وأشار عرفات الى ان سبب الهجمة على الاسبوعيات مؤخراً يعود الى غياب وزارة الاعلام او عدم وجود جهة واحدة تشرف على الإعلام والصحافة، الامر الذي اتاح الفرصة امام كل شخص لتسليط سيفه على الصحافة. وعليه فلا مناص من استقرار وضع الاعلام بشكل عام، وإعادة تشكيل الوزارة، ذلك ان هناك حالة ضياع صحفية اعلامية تعاني منها، وهي حالة عامة لا تقتصر على الصحف الاسبوعية وحدها.