Skip links

الفضائيات والإنترنت والإعلان والنشر في الوطن العربي

عقدت في مدينة ليون الفرنسية حلقة دراسية حول العولمة ووسائل الإعلام والاتصال الجديدة في العالم العربي، وكانت هذه الندوة محصلة برنامج بحثي سمي “عمليات إعادة التركيب للحقل الإعلامي والاتصالي في الشرق العربي” شارك فيه مجموعة من مراكز الدراسات الفرنسية بالإضافة إلى الجامعة اللبنانية وجامعة القاهرة، ثم صدرت أعمال الندوة في كتاب الفضاء العربي: الفضائيات والإنترنت والإعلان والنشر، وتحاول هذه المقالة أن تستوعب تلك الندوة.

صحافة تلفزيونية جديدة وانطلاق مهنة جديدة
تدهم العالم ومنه الوطن العربي حماسة جماعية جارفة للقنوات الفضائية، تشارك فيها الحكومات والمعارضة السياسية والاستثمارات وخاصة الخليجية، وصار الإعلاميون يتمتعون بأهمية كبيرة في سوق تشهد تطورا كبيرا، وقد تضاعفت رواتبهم خمس مرات أو ستا.

وقد غلب على التلفزة العربية من قبل تبعيتها الكاملة للأجهزة الحكومية، حتى إن العاملين فيها لم يكونوا أهل صحافة وتحرير، بل غرباء عن هذا العالم المهني القائم في الصحافة المكتوبة، وقد يتفاءل بعض الدارسين في أن القنوات الفضائية الجديدة والمتعددة ستروج للمهنية الإعلامية والديمقراطية والتعددية الفكرية والسياسية والحريات السياسية والعامة.

تقدم دينا الخواجة مجموعة تساؤلات تحاول الإجابة عليها في سياق اختبار ومعالجة الفرضية السابقة، وقد نشأت مجموعة من البرامج السياسية أو التي تعد نفسها كذلك في محطات التلفزيون العربية.

وتبحث المؤلفة في ثماني قنوات فضائية، هي الفضائية المصرية واللبنانية (LBC) والمستقبل والجزيرة والشرق الأوسط (MBC) وأبو ظبي، وأوربت، والعرب (ART).

اتسم العمل التلفزيوني السياسي العربي بالإضافة إلى التدخل الرسمي الكبير والمباشر، بسمات مهنية وفنية أخرى من قبيل:

1- التمييز بين مهمات التحرير ومهمات تقديم النشرات الإخبارية خصوصا ومجموع البرامج السياسية عموما، ولا يزال هذا الفصل معتمدا، فالمقدمون كانوا يختارون على أساس قدرتهم على قراءة نص مكتوب بصوت جهوري وواضح، ولم يكونوا يخضعون لأي اختبار صحفي، وكان فريق الصياغة والإعداد يأتي من آفاق جامعية مختلفة مهمته تقتصر على صياغة أخبار السلطة السياسية، وكذلك تقارير الوكالات الأجنبية.

2-تهميش المراسل الميداني وصحفي (الريبورتاج) خلافا للتقليد الإخباري الغربي، وإن بدأت هذه القاعدة تتغير مع إطلالة مراسلي السي إن إن في حرب الخليج الثانية، ثم مع انطلاق قناة الجزيرة مع مجموعة مراسليها ومكاتبها المنتشرة في أنحاء العالم، ولكن عمل المحققين الميدانيين مازال على حاله باستثناء الجزيرة والشرق الأوسط، وبقدر أقل قناة النيل للأخبار (لم تكن العربية قد ظهرت وقت الدراسة).

3-كان الصحافيون الذين يجرون مقابلات تلفزيونية من مسؤولي المؤسسات الإعلامية أو من الصحافيين الموالين للسلطة، وإن بدأ صحافيون جدد يكسرون هذه القاعدة ويطرحون أسئلة جريئة في القنوات الفضائية، وأضحى عدد من هؤلاء نجوما بفضل برامجهم المبنية على مقابلات فيها قدر كبير من التجدد والتحرر من أشكال الرقابة الذاتية والرهبة.

وقد شهدت السبعينيات والثمانينيات هجرة كثيفة للمثقفين والإعلاميين باتجاه العواصم الأوروبية ليشكلوا صحافة مهاجرة تتجنب الرقابة والقيود المفروضة في الدول العربية، وكانت هذه المنظومة أساسا لعروبة جديدة قامت عليها لاحقا قواعد المشروع التلفزيوني الفضائي العربي، وكان للإذاعات العربية التي تبث من أوروبا كالإذاعة البريطانية (BBC) ومونت كارلو دور في إعداد العشرات من الشباب المؤهلين والمتشربين للقواعد والتقاليد المهنية والحرية في العمل، ثم قامت مشاريع لم تستمر لإنشاء قنوات عربية تعمل في أوروبا بالتعاون مع مؤسسات إعلامية كبرى وعريقة كانت قد شكلت مرحلة وسيطة في تأسيس شبكة عربية من محترفي الإعلام العرب المهاجرين.

وربما تكون تغطية السي إن إن لحرب الخليج الثانية قد أثبتت للحكام العرب أنهم عاجزون عن إبقاء مواطنيهم بعيدا عن تدفق الرسائل والصور عبر الفضاء، وبدت الحاجة ملحة لتحديث البرامج التلفزيونية، وبدأ عدد من المستثمرين السعوديين في التوجه نحو شبكات البث الفضائية، وبدأت عمليات تحديث في القنوات القائمة من خلال اقتباس برامج سياسية غربية، مثل “توك شو”.

وأثارت قناة الشرق الأوسط (إم بي سي) إعجاب المشاهدين بأسلوبها الجديد (بالنسبة للجمهور العربي) في نشراتها الإخبارية، فقد جمعت بين التحقيقات الميدانية والتقارير والتحليل والمقابلات، وأوكلت السلطة السياسية في مصر إلى شخصيات جامعية معروفة، مثل على الدين هلال وسعد الدين إبراهيم وطه عبد العليم وعصام رفعت وعبد المنعم سعيد، مهمة تقديم برامج سياسية وحوارية شيقة قادرة على جذب الجمهور، وكان هؤلاء الأشخاص يحتلون مراكز ومواقع مهمة في الصحافة المكتوبة وفي مراكز الدراسات والجامعات.

وبدأت قناة أوربت برنامج “على الهواء” لعماد أديب، وقد استضاف البرنامج شخصيات سياسية كبيرة، واستخدم الأسلوب التفاعلي بالإضافة إلى المقابلة كالهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني، ثم تبعت أوربت مجموعة من القنوات والبرامج الحوارية في المجالات السياسية وغيرها، مثل “خليك بالبيت” في قناة المستقبل، وبرنامج “في العمق” على القناة المصرية الأولى.

واقتبست على نحو نشط فكرة “توك شو” التي يتحدث فيها عدد كبير من الضيوف والجمهور في الأستوديو، مثل برنامج حديث المدينة لمفيد فوزي في القناة المصرية الأولى، وبرنامج “يا هلا” لهالة سرحان في راديو وتلفزيون العرب إيه آر تي، وتحدث مواطنون في التلفزيونات عن قضايا سياسية واجتماعية وأحداث وقضايا مختلفة.

وقدمت قناة الجزيرة منابر للنقاش العام والحوار المباشر على الهواء مع الجمهور، وكان أهم هذه البرامج هو “الاتجاه المعاكس” لفيصل القاسم، وقد اعتمد البرنامج على طبيعة الضيوف وطبيعة الموضوع أيضا.

وكانت النشرة الإخبارية للجزيرة تحولا كبيرا ومهما في فنون الصحافة الفضائية العربية المعاصرة، فهذه النشرة تطل كل ساعة، وتمزج بين قراءة أخبار الوكالات والمقابلات والتحقيقات الميدانية وتقارير المراسلين، وربما تكون هذه النشرة أفضل إنجاز للصحافة التلفزيونية العربية منذ بداية الفضائيات بالعمل في مطلع التسعينيات.

وتميزت أيضا قناة الجزيرة بمراسليها الميدانيين الذين يكونون في كثير من الأحيان من الخبراء بمنطقة عملهم، وممن يملك رغبة بالعمل في ظروف صعبة، وقد أدى ذلك إلى تحول مراسلي الجزيرة إلى نجوم لأول مرة في تاريخ التفلزة العربية، مثل تيسير علوني ووضاح خنفر في كابل، ووليد العمري وشيرين أبو عاقلة، وجيفارا البديري في فلسطين (ثم طارق أيوب الذي استشهد في أثناء تغطيته للحرب الأميركية على العراق، وتيسير علوني مرة أخرى في بغداد، ووضاح خنفر الذي اختير مديرا عاما للجزيرة ربما بسبب أدائه في كابل وبغداد- المحرر).

وشكل أداء الجزيرة أساسا لتحول كبير في عمل الفضائيات العربية، فبدأت تنسج على منوالها، ونشوء قنوات جديدة على غرارها لمنافستها، وكانت أيضا دافعا لنوع جديد من القنوات والبرامج واتجاهات جديدة في السياسات والمواقف.

النشر العربي الجديد
تأثر النشر العربي كما التلفزيون بالاتجاهات العالمية الجديدة كالعولمة والإنترنت، وبدأت تشريعات حق المؤلف والملكية الفكرية، وانتشرت تطبيقات الإنترنت والنشر على الشبكة للمواقع الحكومية والرسمية ولأغراض النشر أيضا.

بدأت دور نشر عدة تعرض كتبها على الإنترنت وتتيح التصفح والشراء عبر الشبكة، وكذلك فإن معظم الصحف العربية اتخذت لها مواقع على الإنترنت، وبعض دور النشر مثل دار العلم للملايين الناشر المشهور للقواميس العربية وخاصة “المورد” بدأت تبيع صيغة إلكترونية من القاموس، وبدأ أيضا الاستخدام الإعلاني للإنترنت.

والنشر الإلكتروني مازال في بدايته، ولا يمكن الحكم عليه الآن كما الفضائيات العربية، ويلاحظ أن مبيعات الكتب على الإنترنت تشكل حتى تاريخ النشر 20% من التجارة الإلكترونية في لبنان مقابل 80% في الغرب. (يجب القول إن هذه المعلومات تعود إلى ثلاث سنوات على الأقل، ولا بد أن تغييرات كبيرة وسريعة قد حدثت في هذه السنوات بالنسبة لقطاع جديد وناشئ وينمو بسرعة كبيرة – المحرر).

الإعلان والحالة الإعلامية والاتصالية الجديدة
شهد الإعلان العربي عمليات انتقال وإعادة انتشار بين مصر ولبنان والإمارات، كما شهد أيضا تحولات كبرى ومهمة مع انطلاق الفضائيات والإنترنت وتطور وسائل العمل والاتصال الآخرى المختلفة مثل التليفونات الجوالة (الموبايل) وتعتبر دبي اليوم مركزا إقليميا للإعلان الخليجي أساسا ثم العربي، وقد بدأت العمل فيها عشرات الوكالات الدولية للإعلان.

ويجمع أهل الإعلان على أن مستوى الاستثمارات والنفقات الإعلانية في الشرق الأوسط ضعيف، فبلغ حجم النفقات الإعلانية للعام 2000 حوالي (1.3) بليون دولار أميركي، منها نصف بليون في المملكة العربية السعودية، وهو حجم أقل كثيرا بالنسبة للناتج القومي من بريطانيا والولايات المتحدة (حوالي 25% من نسبة الإنفاق على الإعلان في الغرب)، وبالمناسبة فإن الرقم العربي للإعلان هو نفسه في إسرائيل مع ضرورة ملاحظة الفرق الكبير في عدد السكان.

ويقيم أهل الإعلان وزنا كبيرا للمشهد الإعلامي الجديد، ويعدونه بالطبع محركا للسوق الإعلاني، وقد استقطبت الفضائيات نصف ميزانيات الإعلان، وحولت اتجاهات الإعلان للمرة الأولى نحو أهداف إقليمية وليس قطرية فقط.

ومازالت الإنترنت في بداية الطريق بالنسبة للإعلان، فما زالت الشبكة حديثة الاستخدام في الدول العربية، ويحتاج الأمر إلى عدة سنوات لترسيخ النشر والإعلان عبر الإنترنت.

وقد أدت التطورات الإعلامية إلى اتجاهات جديدة في الإعلان، فقد انقسم النشاط الإعلاني الإقليمي بين وسائل إعلامية سعودية وأخرى لبنانية، وتعبر عن هذا الانقسام مجموعة شويري الإعلانية المشرفة على قسم مهم من الصحافة اللبنانية والعربية ووكالات الإعلان العربية بالاشتراك مع تهامة السعودية، والمجموعة الثانية هي الشركة الخليجية ذات الرأسمال السعودي التي تضم منشورات مركزها الرئيس مؤسسة الأبحاث السعودية وتلفزيون الشرق الأوسط بالمشاركة مع تلفزيون المستقبل وتلفزيون لبنان.

التجارة الإلكترونية
بدأت التجارة الإلكترونية تحتل موقعا مهما في الحركة الاقتصادية، ويتوقع أن يستمر تطورها في المستقبل مع تنامي استخدام وانتشار شبكة الإنترنت، فالتجارة الإلكترونية لا تحتاج إلى رأسمال كبير نسبة إلى التجارة التقليدية، وتتمتع بمرونة كبيرة، وتحذف الوساطات التجارية التي تشكل أحيانا 50%-60% من سعر بيع السلعة.

وتشير دراسات التجارة الإلكترونية التي طبقت في لبنان إلى تنامي مواقع التجارة الإلكترونية في لبنان بنسبة 75% بين العامين 1996 و2000، وتستخدم ثلاثة أرباع المواقع اللغة الإنجليزية للتواصل مع الزبائن، ومن أهم المنتجات التي يتم تسويقها عبر الإنترنت: الأزهار، والتجهيزات المكتبية، والأدوات الإلكترونية والحواسيب، والمواد الغذائية، والألبسة والأحذية، والعطور، والألعاب.

ويتم تسليم البضائع في أكثر من 80% من عمليات البيع بالبريد السريع، الأمر الذي يزيد من تكاليف التسليم، وهناك نسبة قليلة من الخدمات والسلع التي يمكن تسليمها إلكترونيا كالمعلومات والبرامج والخدمات.

وبعض المواقع تتم فيها عمليات الدفع بالوسائل التقليدية (نقدا أو بشيك) لأنها أكثر أمنا، وهناك حالات من الحوالات المالية البريدية، ولكن الدفع على الخط عبر بطاقة الائتمان يشكل أكثر من ثلثي العمليات الجارية، وتعتمد مواقع التجارة الإلكترونية على أنظمة تأمين المعلومات حول البطاقة لتسديد المدفوعات لجعل هذه المعلومات غير مفهومة من الغير وليمر اسم الزبون ورقم بطاقته عبر الإنترنت دون أخطار، وأهم هذه الأنظمة: (SSl) الذي تستخدمه 58% من مواقع التجارة الإلكترونية.

وما زالت التجارة الإلكترونية تحتاج إلى تعميم استخدام الكمبيوتر في البيوت والمؤسسات وتفعيل هذا الاستخدام، وانتشار استخدام شبكة الإنترنت، وتحتاج أيضا لتشريعات جديدة لحماية الحقوق وفض النزاعات وتسويتها.