Skip links

القضاء.. والصحافة

اصدر
القضاء المصري مؤخرا حكما لافتا من شأنه توسيع هامش تناول الصحافة للشخصيات العامة.
فقد جاء في حيثيات الحكم ان «حق نشر الاخبار والنقد يعتبران من اهم اسباب الاباحة
في السب والقذف متى توافرت شروط استعمالها». واضاف: «ان تلك الاباحة تفترض ان
الفعل الذي يجرمه القانون لاهدار حق قد صان في ذات الوقت حقا اخر يربو في القيمة
الاجتماعية على الحق الذي اهدره ، ومن ثم فهو اولى منه بالرعاية حيث يباح الفعل من
اجل الحق الذي صانه».

وبمعنى آخر ، فان جريمتي السب والقذف اللتين
يتعرض مرتكبهما للمساءلة القانونية تسقطان اذا ما ثبت ان الصحفي الذي اقترفهما قد
فعل ذلك من اجل المصلحة العامة ، او انه قد قدم بذلك منفعة للمجتمع كمنع اهدار
المال العام او اساءة استعمال السلطة او اوقف تجاوزات موظف عام او سلط الضوء على
فساد يهدد مصالح المجتمع.

وفي الوقت الذي لا تعنينا فيه تفاصيل القضية
التي صدر بموجبها حكم القضاء المصري ، فان العبرة تكمن في اقرار القضاء بأن
استعمال الموظف العام لحقه في الحماية من القذف والسب لم يعد مقبولا ، فهو يختلف
عن المواطن العادي الذي يجلس في بيته ولا يتعامل مع مصالح الناس ولا علاقة له
بالمال العام ، وهو لا يستطيع ان يتذرع بحماية حقوقه الشخصية ، اذ قد يخفي البعض
وراء ذلك امورا تهدد الصالح العام.

أما الموظف الذي يخشى على سمعته من التناول
الصحفي الجريء الذي قد يصل – حسب حكم القضاء المصري – الى حد السب والقذف
فباستطاعته ان يعتكف في بيته ، محافظا على سمعته ولن يلتفت اليه احد او يتناوله
باي شكل من الاشكال،

ان هذا الحكم يسهم في حماية المصلحة العامة
بتمكين الصحافة من ممارسة دورها ، وفي التصدي للمرتشين والفاسدين والمتطاولين على
المال العام والذين يختبئون وراء الحماية القانونية من السب والقذف.. وقد انتصر
الحكم لمصلحة المجتمع واعتبر انها تحتل مكانا متقدما على مصلحة الشخص.

إننا لا نقول هذا لنطالب باطلاق حرية الصحافة
للولوغ في اعراض الناس وتوزيع الاساءات يمينا وشمالا.. ولكن قد يكون المطلوب هو
توسيع الهامش قليلا امام الصحافة لتناول الاداء العام ، والتفريق في جرائم القذف
والسب بين الشخص العادي الذي لا علاقة مهنية له مع احد وبين الموظف العام الذي
يتحكم في ارزاق الناس ومصالحهم. وبالتالي فان من حق الصحافة تناول المسؤولين بكل
جرأة حتى لو انطوى ذلك على بعض الازعاج او المضايقة لهم ، فالمصلحة التي تجنى من
وراء ذلك اكبر واجدى للمجتمع من مراعاة الحقوق الشخصية للمسؤولين.

واذا كان هذا هو حكم القضاء في دولة عربية
شقيقة ، فاننا نرى ان الممارسة الصحفية في الدول المتقدمة تسير بنفس الاتجاه ايضا
، اذ لا يسلم من اقلام الصحافيين ورسامي الكاريكاتير احد بجرأة تجعلنا نحبس
انفاسنا ونحسدهم ونحن نقرأ او نشاهد انتاجهم على شاشات التلفزة.

اما عندنا فان الصحفيين لا يسلمون من غضب بعض
المسؤولين ونزقهم والامر بتحويلهم للمحاكم اذا اقتربوا من مساءلة ادائهم العام مما
يضر بمصالح المجتمع ويشكل حماية لممارسات قد تخفي وراءها اموراً عظيمة الشأن.