Skip links

المصورون الصحفيون.. جنود مجهولون

غالبا ما يغيب عن ذهن المشاهد أن التقارير الاخبارية التي تتدفق عليه بغزارة عبر الشاشات ليست نتاج عمل المراسلين وحدهم. فصحيح ان المراسل يجهد في جمع المعلومات وإعداد الاسئلة وإجراء المقابلات وكتابة النص مع المقدمات والخاتمات الجيدة واللافتة، لكنه ليس المسؤول الاوحد عن نجاح التقرير الذي يتألف من جزءين رئيسيين: «النص» و«الصورة». من يقف وراء الصور التي تجذب عين المشاهد وانتباهه وتشد حواسه هو المصور. إنه ذاك الجندي المجهول الذي يجول حاملا كاميرته التي تزن أكثر من 40 كيلوغراما ليلتقط أكثر المشاهد تعبيرا. وهو ذاك «الصياد» الذي يكون في طليعة الواصلين الى مكان الحدث مهما اشتد الخطر لينقل الواقع الى كل بيت. ونتيجة ذلك غالبا ما «يحظى» المصورون بنصيبهم من الضرب والاعتداءات وتحطيم اجهزتهم، فيما يحتلون آخر المقاعد في حفلات التكريم وتسليم الجوائز وإن لم تكن على درجة عالية من الاهمية، لا بل إن أسماءهم غالبا لا ترد عند بث التقارير.

هذا الدور الذي يضطلع به المصوّر ناتج عن اختلاف العمل التلفزيوني عن العمل في سائر الوسائل الاعلامية المكتوبة والمسموعة التي تعوّل على النص لنقل الحدث. ذلك ان الفكرة في المرئي لا تتبلور إلا باتحاد عنصرين هما الكلمة والصورة ليصل المضمون مكتملا الى المتلقي، لا بل في احيان كثيرة تتغلّب الصورة على النص وتفوقه اهمية، وذلك تبعا لطبيعة التقرير ونوعه.

ولان أخبار الحروب والاحداث الامنية تحتل المرتبة شبه الاولى في يوميات العرب منذ عقود، ولان عرض صور المجازر والدماء وأشلاء الضحايا مقبول في ثقافتنا العربية، اكتسبت الصورة أهمية بالغة وتفوقت على قلم المراسل مرات عديدة، حتى ان بعض الشاشات تخصص وقتا لعرض مشاهد مذيلة بعبارة «بلا تعليق». بذلك تطوّر دور المصور ليصبح شبه موازٍ لدور المراسل، ما حتم وجود علاقة وطيدة بينهما تتعدى مجرد التفاهم والتشاور في ما يتعلّق بالامور المهنية لتطاول الحيز الانساني بما انهما يمضيان أوقاتا طويلة في التغطيات الميدانية الحربية حيث يتعرضان للخطر نفسه ويخضعان للضغط النفسي نفسه. متانة هذه العلاقة امر جوهري لانها تنعكس على جودة التقارير، وهذا من شأنه ان يحافظ على مشاهدي المحطة أو زيادتهم او بالعكس انتقالهم لمشاهدة محطة أخرى.

عن جوانب هذه العلاقة وأهمية التنسيق بين المراسل والمصوّر تحدثت «الشرق الأوسط» الى ثلاثة صحافيين لبنانيين برزوا في التقارير التي أعدوها خلال السنوات الاخيرة وتحديدا في حرب يوليو (تموز) 2006 على بلادهم. كما تحدثت الى ثلاثة من المصورين الذين رافقوهم.

مراسلة قناة المؤسسة اللبنانية للارسال منى صليبا رأت أن العلاقة التي تربط المراسل بالمصور «علاقة حيوية حاسمة، فإما ان يفشل الموضوع او ينجح.. هذا ما اكتشفته منذ البداية. واكتشفت ايضا ان المصورين أنواع، ثمة من يبرعون في حقل معين وثمة من يقدمون عملا متوسط الجودة. وثمة من يتقبلون التعليمات وآخرون يرفضونها. التنسيق ضروري في المواضيع الميدانية، وعلى المراسل ان يعي انه ليس اهم من المصور فالنص يأتي في الدرجة الثانية». أما مراسلة قناة العربية ريما مكتبي فقالت: «في التلفزيون هناك مواءمة بين النص والصورة. واحيانا كثيرة تتفوق الصورة على الكلمة لذلك اتركها تمر من دون تعليق خلال إعدادي التقرير، لانها تنقل الجو العام الى المشاهد. واسأل المصور دائما عن رأيه ورؤيته بعد مناقشة مضمون الموضوع قبل بدء تصويره لأستفيد من خبرته في التعامل مع الكاميرا. فهو يزودني بأفكار ويلفت انتباهي احيانا الى صور لم ألاحظها. هذه العلاقة يلمسها المشاهد عبر تقرير متميز أثر فيه. وعدم التناغم ينعكس سلبا على نوعية الصورة والصوت والزوايا المنتقاة. لذلك خضعت لدورة تدريبية ساعدتني في تقويم الصورة ومحاسبة المصور عند الاقتضاء لاننا لا نستطيع العودة الى مكان الحدث للحصول على المشاهد نفسها». وبدوره أكد مراسل تلفزيون الجديد فراس حاطوم ان «التفاهم والتعاون بين المراسل والمصور ينعكسان بنسبة 70 في المائة على جودة التقرير وتحديدا في ما يتعلّق بتغطية النزاعات والحروب. فهناك مواضيع لم تنجح إما بسبب قلة المشاهد الملتقطة وإما بسبب رداءتها. لذلك يجب ان تجمع بين المصور والمراسل كيمياء وتسود بينهما روح الشراكة، فصحيح انهما شخصان لكنهما يشكلان فريق عمل واحدا. ويجدر ان يفهم كل منهما ماهية عمله ويلتزم حدوده، على ان توجه الملاحظات الى الآخر بطريقة لائقة وشرط ان يكون لها مبرر». في المقابل، تحدث كل من مصوري المحطات المذكورة عن طبيعة التنسيق الذي يتم مع المراسل قبل التوجه الى مكان الحدث او تغطية حدث امني. فقالوا انه في ما يخص اعداد التحقيقات الاجتماعية والاقتصادية يتشاورون مع المراسل في السيارة، ويفهمون منه مضمون التقرير الذي يريد اعداده ليتشكل في ذهنهم جو عام قبل الوصول الى المكان المقصود. اما في ما يتعلّق بالامور التقنية وتفاصيل الكاميرا فقد بدا واضحا لهم انها «خطوط حمر» يمنع على المراسل تخطيها. فشربل فرنسيس المصور (ال بي سي)، قال انه يحرص على «فهم ماذا تريد مني المراسلة. فإذا ارادت إجراء مقارنة بين شارعين في بيروت الاول مزدحم والثاني مقفر بسبب الاعتصام عليَّ ان ألتقط الضروري من المشاهد التي تنسجم مع النص. كما احدد بنفسي الكوادر واللقطات العامة (Large) التي تظهر مكان الحدث والمتوسطة (Medium) الضرورية في عملية التدرج وصولا الى اللقطة القريبة (Close) وهي موضوع الحدث. لكن طبعا اقبل ان يطلب مني المراسل ان ألتقط صورة شخص أو شيء معين تخدم موضوعه. المراسل لا يتدخل في جمالية الصورة ونظافتها، كما انني لا أتدخل في تعديل كلمات وردت في نصه». أما مصور «العربية» جورج عطا الله فقال: «حين اذهب مع ريما مكتبي مثلا لاعداد تقرير أسالها في السيارة عن الامور التي تريد التركيز عليها لأفهم اتجاه الموضوع بما انها تحدد مسبقا خطوطه العريضة، ما يسهّل عليها لاحقا عملية المونتاج (اختيار الصور وتقطيعها). وما يريحني انها ملمة بأمور التصوير والكاميرا. وفي المواضيع الثقافية والاجتماعية نحدد معا طريقة التصوير لاننا نملك الوقت الكافي لذلك. فأبدي رأيي في الامور التقنية واحدد المكان الانسب لوقوفها (Stand-up) تبعا لعوامل مختلفة كالإنارة والخلفية المتناسقة مع الموضوع وغيرهما». ولفت عطا الله الى انه يتحاشى «التعامل مع المراسل غير الكفوء والمغرور لان ذلك يجعل التفاهم مستحيلا»، آسفا لعدم إعطاء المصور حقه بقوله ان «الجزء الاكبر من العمل يقع على عاتقنا فيما المراسل هو من يحصد الشهرة. لا أشعر بالغبن، لكن تفرحني رؤية اسمي على الشاشة». في المقابل، أبدى محمد كلاكش مصوّر تلفزيون الجديد، صرامة اكبر في العلاقة فشدد على اهمية ان يلتزم المراسل نطاق عمله "لأهتم بنفسي بطبيعة الصور. فهذه مهنتي. انا لا اتدخل في قلمه وهو لا يتدخل في صورتي. في الواقع لا تتعدى نسبة قبولي بتدخله في عملي العشرة في المائة. طبعا أبادر بسؤاله عن موضوعه لاحدد اللقطات الأنسب له (…). التشاور مهم فإما ان يؤدي الى الفشل أو الى نجاح غير متوقع بسبب استفادة كل منهما من خبرة الآخر وأفكاره. فإذا كان المصور والمراسل لا ينسجمان في العمل الميداني من الافضل الا يخرجا معا. فحتى وإن كان كل منهما متفوقا في عمله إنما من دون التنسيق مع الآخر لا يحصلان على نتيجة جيدة. طبعا اتحاشى المراسل المتهور الذي قد يؤدي تصرفه بي الى السجن او الموت». ومن الملاحظ ان علاقة المراسل – المصور تزداد التحاما في تغطية الحروب. وهذا ما لمسه المشاهدون في تغطية حرب تموز الاسرائيلية على لبنان من خلال مشاهدة صور اتسمت بالجرأة في ملاحقة الحدث وعكست تعاضد المراسل والمصور ومؤازرة كل منهما الآخر.

هذا ما عبرت عنه صليبا، فقالت: «تغطية حرب يوليو (تموز) كانت الاولى في حياتي المهنية، كما انني لم ازر الجنوب سابقا. وكان (المصور) شربل فرنسيس يشجعني دوما ويقويني ويقول لي جملة لا انساها اتكلي على الله يا منى فمن حلت ساعته يموت في سريره. اراحني التعامل معه لانه يتحلى بالاخلاق والروح الانسانية. وهذا الاهم فلا يكفي ان يكون المصور بارعا والا سيتصادم مع الناس ويضيع كل المجهود سدى». وتضيف «أذكر اننا بسبب القصف اضطررنا للمبيت في منزل ناس لا أعرفهم، لكني لم اخف لانه كان معي وهو يعرفهم. باختصار كان يدعمني ويبادر الى ملاحقة الأحداث لالتقاط الصور الاكثر تعبيرا ونظافة. كذلك المصور زكي فغالي ساعدني في الحصول على المعلومات وكان يصور لقطات من دون ان اطلب منه كونه يتمتع بدقة الملاحظة وعين الفنان(…). يقول لي البعض ان المحطة تميزني بتقارير معينة أقول لهم لا. انني ببساطة اولي الصورة المرتبة الاولى في التقرير ليكون نصي في خدمتها، حتى أنني أسكت أحيانا لأترك الصور تمر. فالسكوت موسيقى صامتة، وهكذا يكون الريبورتاج جذابا وناجحا، فالصورة هي ما يثير فضول المشاهد. وللأسف يبقى اسم المصور مجهولا!». في المقابل، شكت مكتبي من عدم وفرة المصورين الناجحين قائلة: «بما ان «العربية» ليست قناة محلية فإنها تعتمد على إحدى الشركات الخاصة لتزويدها بالمصورين. وفي حرب يوليو (تموز) كنت أعاني كثيرا في إيجاد شخص ذي خبرة. لاحظت ان عددا كبيرا منهم هواة لانهم انتقلوا للعمل في هذا المجال من دون الخضوع لاي دورة تدريبية. ففي احد التقارير كنت اتحدث الى صبي في مخيم للنازحين أجهش بالبكاء لانه اضاع شقيقه في الحرب ولكن النتيجة كانت سيئة لرداءة الصوت. وهذا بسبب خطأ المصور (…). ومرة أخرى صور لي احدهم مدة ساعتين لتقرير لا يتجاوز الدقيقتين. لقد انهكني ذلك في عملية المونتاج. كان هذا استثناء فبشكل عام اريح الفريق الذي يرافقني في التغطيات الحية ونحاول اضفاء جو من المرح لخفض التوتر انما اكون جدية وقت العمل. العلاقة الانسانية ضرورية لان المصور هو أول من يحمي المراسلة في اي مكان تتعرض فيه للاعتداء. في المقابل، اتريث في الحرب قبل اتخاذ قرار دخول بعض الاماكن لان حياة المصور امانة لدي. وفي مطلق الاحوال لا اجبره على شيء يعرض حياته للخطر».

وأضافت: «هناك توجه عالمي لتدريب المراسل على حمل الكاميرا والتقاط الصور. انا ضد هذا الامر، ولكنه يصبح ضروريا في تغطية الحروب لخفض خطر التنقل الى اقصى حد ممكن ولخفض الكلفة المادية التي تتكبدها المحطة عند ارسال فريق من اثنين او ثلاثة الى مكان بعيد». ولفراس تجربة خاصة مع كلاكش في حرب يوليو (تموز)، ذلك انه اعترف بفضله «في نجاح عدد من التقارير كونه ابن الجنوب وكونه سبق ان غطى حروبا. فقد أمدني بخبرته في التنقل والامور اللوجستية. فعلى المصور ان يتمتع بقدرة على تقويم الامور واحتساب الخطر. فإذا كان متهورا يتسبب بقتلنا وإذا كان جبانا لا نحصل على صور. ومن جهتي أحرص على مرافقة المصور اينما ذهب علما ان وجودي ليس ضروريا في بعض الاماكن خصوصا الخطرة منها». وروى كلاكش كيف عبر ضفة أحد الانهر في الجنوب بعدما «قصف الطيران الاسرائيلي جسر الزرارية مرتين متتاليتين. بذلك استطعنا الوصول الى صريفا حيث ارتكبت ابشع المجازر وهذا ما مكن فراس حاطوم من الانفراد في اعداد تقرير عن الفاجعة».