Skip links

الملاحق التعليمية في الصحافة العربية.. غائبة وإن حضرت وغياب المتخصصين والقيود السياسية وتحويل التعليم إلى سلعة من أبرز المشاكل

كثر الحديث عن التعديلات في المناهج العربية مؤخرا، ولأن هذا الحديث يعود لاسباب سياسية ترافق مع مقالات وتحقيقات عدة تناولت مشاكل التعليم في عدد من البلدان العربية. ولكن من هم الأشخاص الذين ينفذون هذه التحقيقات أو يكتبون المقالات؟ وليس المقصود بهذا السؤال إعادة اختراع العجلة فلا يخفى على أحد غياب الصحافة المتخصصة في العالم العربي، لا سيما في المواضيع المتعلقة بالتعليم. بين لبنان والسعودية ومصر تجارب عدة في هذا السياق، وعلى الرغم من اختلاف هذه البلدان إلا أن ما يجمعها هو عدم وجود ملحق تعليمي أو صفحة تعليمية تعتبر مرجعا حقيقا لهذا القطاع. في السعودية محاولات سابقة، ومحاولات حديثة تواكب التعديلات التي دخلت على المناهج، ولكن ـ مجددا ـ كانت المشكلة في غياب المتخصصين. وفي مصر شكاوى عن تحويل صفحات التعليم إلى تجارة، وذلك من خلال قصرها على نشر الأسئلة المتوقعة في الامتحانات، وأحيانا تنشر معها اجابات خاطئة دون أن تصوب، او الملخصات قبل فترات الاختبارات. دون أن تسلط الضوء على المشاكل الحقيقية التي يعاني منها هذا القطاع. أما في لبنان، وكما معظم المواضيع الأخرى.. تم تسييس التعليم وتحولت تغطيته صحافيا إلى مادة أخرى تخضع لحسابات الطوائف والأحزاب والمصالح. ومن بين هذه البلدان الثلاثة، أعدت الشرق الأوسط هذا التحقيق لتقييم ملاحق وصفحات التعليم في الصحف العربية. غياب الصحافة المتخصصة
يخصص كتاب الأعمدة في الصحف المحلية السعودية جزءا كبيرا من مقالاتهم حول قضايا التعليم بدءا من مناقشة المناهج واحتوائها على بعض الافكار التي لا تنسجم وأهداف التربية والتعليم. بينما تكاد تغيب المواضيع التحريرية الخاصة بمناقشة التعليم السعودي من كافة زواياه ليبقى الباب مفتوحا للمحررين حسب اجتهاداتهم الشخصية لملاحقة طرف قضية هنا أو هناك حسب المستجدات التعليمية أو عند صدور القرارات وغالبا في فترة الامتحانات المدرسية للطلاب والطالبات.

ولكن الواقع هو أنه لا يوجد حتى الآن صحافيون متخصصون في قضايا التعليم، ويرى أحمد العمودي وهو مدير تحرير سابق لإحدى المجلات الشبابية في السعودية أن غياب التخصص في معظم الصحف المحلية يعود بالدرجة الأولى لعدم الثقة في أهمية التخصص وخاصة في الملاحق التي لاتحقق المردود الاعلاني المناسب للمجلة أو الجريدة.

وأضاف بأن هناك صحافيين متعاونون هم في الاساس معلمون في المدارس الحكومية ويمكن تدريبهم لتولي صفحات من هذا النوع تنسجم والبيئة التي يعملون فيها ويمكن من خلالهم الاستفادة من خلق أفكار صحافية ناجحة متى ما وجدوا الفرصة والدعم والتوجيه غير أن ما يحدث بعيد عن هذا التوجه لغياب الصفحات التعليمية المتخصصة.

من جهة أخرى يرى محمد المسعودي وهو مدرب الاستراتيجيات الحديثة في إدارة التربية والتعليم بمنطقة مكة المكرمة (غرب السعودية) أن غياب الصفحات التعليمية المتخصصة يقلل كثيرا من تسليط الضوء على الابداعات الطلابية، والادوار الهامة التي يقوم بها المعلمون في السعودية في كثير من الاحيان بشكل فردي ويحتاجون لدعم إعلامي لتوسيع دائرة الفائدة وتحفيز زملائهم المعلمين على اعتبار أن العملية التعليمية هي إبداعية بالدرجة الاولى خاصة في إيصال المعلومة واكتشاف المهارات لدى الطلاب.

وأردف المسعودي بالقول: ان الصحف السعودية لو تبنت فكرة ممثلين لها من الطلاب في المدارس الحكومية والأهلية لتزويدهم بالافكار والمقترحات ستكون هي الفكرة التي تدعم التدفق الخبري للصحف وتشكل لمشرفي تلك الصفحات المناخ المناسب لتهيئة المواد الصحافية بالشكل الذي ينسجم وابراز السلبيات والايجابيات في العملية التعليمية بعيدا عن سقف الاجتهادات الذي يضر في بعض الاحيان في خدمة الأهداف التربوية.

ويوضح العمودي أن صفحات محلية متخصصة في التعليم ظهرت سابقا وتبنتها بعض الصحف المحلية، ويعلل سبب عدم استمرارها بغياب المادة الاعلامية المقنعة أو قلة المردود الاعلاني من تلك الصفحات، أو كلا السببين. هاجس الدروس الخصوصية

بخلاف جريدة الأهرام التي تصدر ملحقاً تعليمياً خاصاً منفصلاً يوم السبت بعنوان الأهرام التعليمي، فإن بقية الصحف المصرية تخصص في صفحاتها صفحة واحدة. حيث يلجأ عدد كبير من الصحف إلى وجود صفحة تنشر شروحاً للمناهج التعليمية واسئلة مقاربة لتلك التي تأتي في الامتحانات، وذلك غالباً للسنة النهائية في المرحلة الثانوية ـ وفي أيام الامتحانات تنشر هذه الصفحات نماذج للامتحانات. وتسوق هذه الصفحات على أنها بديل لـ المدرس الخصوصي. ومن أبرز الصحف التي تقدم صفحات للتعليم، صحيفة الجمهورية التي تقدم صفحة كاملة مستقلة تطوى عند المنتصف لتصبح أشبه بملحق من أربع صفحات، ولكن الإعلانات تغطي معظم المساحة. أما ملحق الأهرام، فلا يخلو من امتحانات واجاباتها النموذجية بطبيعة الحال، ولكنه يقدم في المقابل نصائح للطلبة، ويناقش مشاكلهم الجامعية، والدراسية ومواضيع متعلقة بتطوير المناهج الدراسية، وهو موجه بالأساس إلى شريحة الطلبة، كما يحتوي بالطبع على اعلانات للمدارس الخاصة، والجامعات الخاصة، كما يحتوي على اعلانات خاصة برسائل الـS.M.S وادخال النغمات، وأخرى متعلقة بالانترنت، وهو مايوضح أن الملحق الذي صدر منه 82 عدداً حتى الآن، موجه إلى شريحة الطلبة. وتقول الدكتورة ماجي الحلواني عميد كلية الاعلام بجامعة القاهرة: إذا أجرينا مسحاً شاملاً لما يكتب عن التعليم في الصحف المصرية سنجد أن هذه الصحف لا تتحدث عن التعليم وقضاياه إلا في حالة اثارة قضية كبيرة، وما عدا ذلك سنجد أن ما يطرح هو مجرد أخبار عادية لاتستطيع أن تغطي أي جانب من الجوانب الحيوية، وليس لها قيمة ولا تتعرض لأي شيء يهم المختصين.

ومن جهته يعتبر الصحافي محمد جبريل من جريدة الجمهورية، نائب رئيس تحرير جريدة المساء، أن معظم الجرائد الآن أصبحت تخصص صفحات للتعليم، ولكن النقطة هي بالنوعية وليس الكمية، ويوضح أن هذه الصفحات لا تخدم قضايا التعليم وتركز على الربح المادي بأي شكل. ويضيف انه عندما تقدم الصحف ملاحق ذات مستوى يتسابق الناس على قراءتها فإنها ستجذب المعلن غصبا عنه. ويشير إلى وجود شكاوى تكررت حول نشر الأسئلة التي يتوقع أن تأتي في الامتحانات، حيث تنشر باجابات خاطئة ولا يتم تصويبها فيما بعد. لبنان.. تسييس التعليم

بين التعليم والإعلام في لبنان ود ملتبس، فالصفحات التربوية تتخذ شكل المنوعات في متون الصحف اللبنانية. ونادراً ما تشكل اخبارها حدثاً يستحق الاشارة اليه على الصفحة الاولى. وكأن قضايا التربية والتعليم تصنف في اسفل سلم الاهتمامات اليومية للعاملين في الصحافة على حساب السياسة والاقتصاد وأحيانا الثقافة.

وقليلة هي الصحف التي تهتم عادة بتكليف اعلامي متخصص للاشراف على الصفحة التربوية والشبابية، التي يعزوها غالباً المبتدؤون في مهنة المتاعب، الذين يعتبرون ان مرورهم فيها هو مرحلة تدريبية لا بد منها للانتقال الى صفحات اهم.

وغالباً ما تقتصر الكتابة في الاعلام التربوي على تغطية احداث معينة قد تقع من حين الى آخر ولها علاقة بموضوع التعليم او مواكبة الامتحانات الرسمية او موسم ابتداء العام الدراسي وما شابه. فيما نلاحظ تجاهل مشاكل التربية والتعليم ابتداء من البناء المدرسي وتجهيزاته مروراً بالبرامج والمناهج ووصولاً الى كتاب التاريخ الموحد الذي لم يبصر النور لخلافات سياسية.

وقبل ان نظلم الصحف لإهمالها هذا المنحى الحيوي في المجتمع اللبناني واي مجتمع آخر، ربما يجب ان نتوقف حيال جملة عقبات نابعة عن تسييس التعليم في لبنان خاصاً كان ام عاماً، لا سيما على الصعيد الجامعي، ومن ثم الحاقه بالطوائف، حيث تنعكس تعددية 18 طائفة على مدارس تابعة لكل طائفة، ارسالية كانت ام محلية.

ويقول الاعلامي والاكاديمي زهير هواري من صحيفة السفير اللبنانية ان تخصصه في التربية بعد الاعلام ومزاولته التدريس الجامعي، عناصر منحته براءة الاشراف على الصفحة التربوية. لكن الاستعانة بالمبتدئين سواء كانوا في مرحلة تدريبية او من المتخرجين الجدد هو واقع يحصل في معظم الصحف كما يوضح هواري، مضيفاً انه انطلاقاً من عملية التدريب، يمكن للمبتدئ العارف بتفاصيل الحياة الجامعية والقريب من الحياة المدرسية ان يغني الاعلام التربوي بتفاصيل لا يلم بها البعيد عن الجو. كما ان قرب المبتدىء من جيل الطلاب يؤدي الى تواصل ايجابي قد لا يستطيع المحترف الوصول اليه بسبب حواجز فارق السن.

ولا يعتبر هواري ان في الامر علة مهنية، موضحاً: لا نستطيع ان نقول ان هناك صحافيين متخصصين في التربية او في الاقتصاد او في السياسة. هناك اعلاميون تم توجيههم من قبل ادارة الصحيفة الى صفحات التربية. بهذا المعنى المعرفة التخصصية غير موجودة. هناك صحافة بالجملة. لكن الخلل يقع عندما لا يملك الصحافي الخلفية المطلوبة لادارة صفحته واغناء مواضيعه بالمعلومات. وهذا الامر يتطلب منه تثقيف نفسه.

أما المسؤول عن صفحة تربية وشباب في صحيفة النهار غسان حجار، الحائز على ماجستير في العلوم التربوية، فيوضح ان افساح المجال في الصفحة للمبتدئين يعود الى قدرتهم وصدقهم في التعاطي مع مشاكل الشباب، لانهم يعرفون حاجات الجامعات وينبضون بقضاياهم، ويحملون الى الصحيفة ما يطرح في الشارع من امور تربوية.

ويعتبر حجار ان صفحته تتعاطى بجدية مع قضايا التربية، مشيراً الى ان الجامعة الوطنية تحظى بمتابعة مدروسة، ولها ملف يصدر في موعد اسبوعي محدد، الا انه توقف فترة اثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

ويؤكد حجار ان الصفحة اثارت مجموعة من القضايا المتعلقة بالمناهج التربوية وباوضاع مسيئة للانظمة التعليمية، وقد ادى تراكم هذه القضايا الى الحصول على مراجع وخلفيات تشكل ملفاً تربوياً متكاملاً وغالباً ما كانت تصحح اوضاع غير سليمة نتيجة ما ينشر في الصفحة من معلومات تشي بأوضاع غير قانونية، منها الحؤول دون تمكين بعض النافذين من تمرير قرارات لتعيين اساتذة لا تتوفر لديهم المواصفات المطلوبة، كذلك الامر بالنسبة لبعض الجامعات والمعاهد المفتقرة الى الشروط الاكاديمية، والتي اقفلت بسبب تغطية جيدة للقضية.

أما الدكتور جهاد العقل الذي جمع بين التعليم والإعلام والكتابة البحثية فيؤكد ان للاعلام مهمة تربوية، لانه يشكل رأياً عاماً، لذا يجب ان يكون موحداً في طرحه الاتجاهات التربوية الكبرى مع التباين في وجهات النظر تحت هذه الاتجاهات. هنا يصبح حاملاً لدوره التربوي.

من جهته يعتبر زهير هواري ان عجز الاعلام عن القيام بدور فعال في التربية يعود الى مشكلة اكبر، هي ضعف المجتمع المدني في لبنان ككل وهيمنة الطائفية على معظم مؤسساته، وتحديداً التربوية منها. ذلك ان معظم المدارس والمعاهد والجامعات مرتبطة مباشرة بمرجعية طائفية او سياسية تحميها وتسيرها. ولا يمكن متابعة اي ملف من ملفاتها وتسليط الضوء عليه من دون مواجهة مع التعددية اللبنانية التي تشكل قيداً ثقيلاً، من هنا لا يمكن للصحافة ان تصل الى نتيجة اذا واجهت قضية تربوية، لان ردة الفعل في مجتمع ضعيف تفتقد الى ديناميكية التحرك في غياب نقابات فعالة.

ويؤكد هواري ان مواصلة الكتابة في القضايا التعليمية تحتاج الى ردود فعل لخلق حالة جدلية مثمرة. ويحمل المسؤولية الى النظام السياسي اللبناني الذي يفتقد الى مشروع عام ينطلق ضمن استراتيجية محددة ليحول قطاع التعليم من نظامه الخدماتي الى نظام البحث والمعلوماتية، ليصبح مؤهلاً بالمعنى العام وليس بالمعنى السياسي، ونتمكن من تحديد المفهوم التعليمي الحديث الذي يفعّل تأثير المتخرجين اللبنانيين في المنطقة. ويلفت هواري الى ان لبنان محكوم بان يلبي عبر نظامه التعليمي حاجات سوق العمل العربية.

ولا شك في أن الحديث مع هواري، يعطي أي صحافي يود الكتابة عن التعليم في لبنان أفكارا مثيرة لتحقيقات عدة، خصوصا وانه يقول إن الدوام الرسمي في لبنان يتراوح بين 150 و170 يوماً، في حين ان معدل النسبة العالمية بحده الادنى هو 216 يوماً، ويعتبر ان الامر غير طبيعي، نتيجة اعياد الطوائف التي تنهمر على الدوام بالجملة، بحيث تصبح ساعات التعليم قليلة والانشطة اللاصيفية غير موجودة.