Skip links

اليمن: 30 ساعة في التخشيبة .. تحكي وقائع دخول الاستخبارات العسكرية سوق الانتهاكات الصحافية

أعطت الثلاثين ساعة التي قضيتها في معتقل شعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات الجوية بصنعاء، مؤشرا لتوجه هذا الجهاز في الدخول إلي سوق الانتهاكات للحقوق الصحافية في اليمن.
إن عملية اعتقالي لم تكن المرة الأولي التي يُعتقل فيها صحافي يمني في قضية نشر ولن تكون الأخيرة، ولكن جديدها أنها المرة الأولي التي تتدخل فيها مؤسسة عسكرية في عملية اعتقال لصحافي، بطريقة غير قانونية وليس من اختصاصها.
مشهد الاعتقال العسكري كان أكثر دراميا من نظيره الأمني، اتصال هاتفي عبر جوّالي: جاوب الفندم يريدك الآن، أجبته أنا الآن في مهمة صحافية بمدينة مأرب وأعطيته عنوان الفندق الذي وصلت إليه للتو لإقناعه بأني فعلا خارج العاصمة صنعاء، كرّر لا تتهرب احضر الآن، وبعد نقاش طويل اقتنع، وأعطاني موعدا مع القائد بعد ثلاثة أيام، ولكن بعد نحو ثلاث ساعات تفاجأت بأفراد من القوات الجوية علي متن سيارتي جيش احداها تحمل رشاشا ثقيلا مضاداً للطائرات يدخلون الفندق، اعتقدت حينها أن هناك عملية كبري للقبض علي أحد مجرمي الحرب أو علي أحد العناصر الإرهابية الخطيرة.
لم يدم المشهد طويلا حتي سمعت الطرَقات علي باب غرفتي، نحن من القوات الجوية مكلفون بالقبض عليك، وإيصالك الآن إلي منزل القائد في صنعاء، حاولت إقناعهم بشتي الوسائل دون جدوي لإعطائي بعض الوقت حتي أكملت عملي في مأرب التي وصلت إليها قبل نحو ساعات فقط.
استسلمت للأمر واستقليت معهم السيارة وسط جمهور المشاهدين من نزلاء الفندق وكأنه مشهد درامي من مشاهد العمليات البوليسية التي نراها في الأفلام الهندية.
في الطريق أحسست بعزرائيل يدنو مني مرارا، وقلبي يكاد يتوقف من شدة السرعة التي كان سائق السيارة العسكرية يصر علي المبالغة فيها، حيث كان مؤشر السرعة في أغلب الوقت يتصاعد للأخير، في سيارة قديمة لا تحتمل حتي نصف تلك السرعة، وهي المرة الأولي في حياتي التي أشاهد فيها مؤشر سرعة السيارة للآخر، رغم أني سافرت مرارا في الموكب الرئاسي وفي ذات الطريق من مأرب إلي صنعاء والعكس وبسرعة لم تصل إلي 70% من هذه السرعة الجنونية.
سيطر علي شعور غريب حينها بأن هذه السرعة ربما تكون وسيلة ومهمة عسكرية للتخلص مني قضاء وقدر، وكنت سرعان ما أستبعدها لأني لم أشعر أن هناك سبباً وجيهاً ومبرراً قوياً لذلك.
عند مدخل مدينة صنعاء تلقي الضابط المكلف بإيصالي إليها مكالمة هاتفية تخبره بالتحول نحو قيادة الدفاع الجوي، في طريق المطار، بدلا من بيت القائد وعندما وصلنا مقر القيادة، سلموني للضابط المناوب في شعبة الاستخبارات العسكرية التابعة للقوات الجوية، الذي قال له: شكرا، مهمتك انتهت وعليك العودة الآن إلي مأرب، أجابه ولكن يا فندم أنا مكلف بإيصاله إلي منزل القائد والعودة الليلة برفقته إلي مأرب بعد مقابلته، أجابه: ذلك كان موضوعا قديما، والآن هناك أوامر جديدة.
عاد أصحاب المهمة ولم أعد، ووضعوني في غرفة الضابط المناوب، حتي أظل تحت الرقابة الدائمة علي ما يبدو، أخذوا مني جهازي الهاتف الجوال وافرغوا كل ما بداخله من أرقام وغيرها، حسب ما علمت لاحقا، تفاجأت بهذا الأمر وانصدمت كثيرا بهذا الواقع وبهذه المعاملة، وانسدت حينها نفسيتي من كل شيء حتي من الكلام، وكنت أشعر بصعوبة حتي في النظر لمن بجواري من الضباط والعسكر.
كانوا أربعة يخزّنون (يمضغون) القات ويدخنون السجائر، وتحولت الغرفة بذلك إلي مدخنة، كدت أختنق من هذا الجو، حاولت الاستلقاء كي أريح أعصابي ولكن كانت تزداد توترا كلما مرّ بعض من الوقت، كانت الدقيقة تمر وكأنها يوم، خاصة وأني وجدت نفسي فجأة كتلة هامدة لا عمل لها سوي حساب الدقائق التي تمر انتظارا للوقت الذي أتوقع أن يدعونا فيه لأي شيء، سواء لمقابلة القائد، أو للتحقيق أو لتحويلي للزنزانة الانفرادية كما كنت أسمعهم يتهامسون أو لأي شيء آخر.
انتظرت طويلا، وكانوا من حولي يضحكون ويمرحون في ما بينهم دون أن يلتفتوا إليّ وكأني غير موجود، كانت رنّات الهاتف ترنّ في أذني كالرصاص، خشية أن تفاجئني احداها بأسوأ مما أنا فيه، القلق كان مهيمناً عليّ بدرجة كبيرة، ليس بسبب وضعي ولكن لوضع والدتي المصابة بضغط الدم والذي كنت أخشي أن يرتفع أكثر حين سماعها نبأ اعتقالي، بالإضافة إلي عدم معرفة أحد بعملية اعتقالي غير الاتصال الأخير المشفّر لأسرتي الذي أخبرتها فيه أن الجماعة الذين اتصلوا بي جاءوا وأخذوني من مأرب وأعادوني إلي صنعاء وأن المقام عندهم قد يطول .
حاولت نسيان وضعي بالخلود إلي النوم، غير أن جفوني تجمدت وعيوني استعصت علي الاستجابة لمطلبي المُلِح، قضيت ليلتي (المعتقلة) علي هذا الحال، رغم إجهادي الشديد وجسمي المنهك، لاح الفجر في الأفق ولم يجد النوم طريقه إلي مقلتيّ، وبدأت مشوار الانتظار من جديد، علّ الهاتف يرن طلبا لاستجوابي أو لإخراجي مما أنا فيه.
انتظرت وطال الانتظار حتي اقترب الظهر، فطلبوا مني الانتقال لمكتب مجاور للغرفة واستقبلني ضابطان لبدء الاستجواب، فسألتهم بكلمات ثقيلة جدا: ألا تستحون؟ تريدون استجوابي، بعد 20 ساعة من حرماني من الطعام والشراب والإرهاق الجسدي والنفسي؟ ألا ترون أني لا أستطيع نطق الكلمات بسبب الجفاف في فمي ومن شدة الجوع، فشعروا بالخـــجل ووجــهوا بمنحي ماء وبسكويتا وفي الظهر طلبت من أحد العسكر أن يشتري لي غداء من المـطعم فوافق وبعده بدأ مشوار الاستجوابات الأربعة.
بدأ المحققون من الأدني درجة للأعلي يستجوبونني حول نقاط مكررة ولكن من زوايا متعددة، وكان السؤال المشترك بين جميع المحققين هو من المصدر الذي أفشي لي معلومات تقريري المنشور قبل نحو اسبوعين عن أسباب تكرار سقوط الطائرات العسكرية في اليمن الذي كان محل انزعاج قيادة القوات الجوية، وتكرّر هذا السؤال كثيرا وسألوني عما إذا كان لدي أصدقاء في القوات الجوية أو في الجيش بشكل عام.
وظلوا يلفّون ويدورون بأسئلتهم حتي يعودوا لذات السؤال الذي كان محل اهتمامهم، وهو المصدر لهذه المعلومات وهذا ما أعطي تأكيدا بأن جميعها مفروغ من صحتها وحاولوا فقط التوصل إلي معرفة المصدر، ربما حتي يتخذوا إجراءاتهم ضده.
السؤال الذي استفزني كثيرا ورفضت الإجابة عليه بل وطلبت من المحقق أن يسحبه في الحال وهو: كم استلمت من الصحيفة جراء نشر هذا الموضوع؟ فصرخت في وجهه: لم استلم شيئا ولا داعي لتوجيه التهم المبطنة بالتخوين، فانا أحب وطني مثلما أنك تدعي الوطنية وأؤدي رسالة كشف السلبيات وفضح حالات الفساد حتي يتم معالجتها، مثلما تنصّب نفسك في وضع حماة هذا الوطن.
اكتشفت من خلال أسئلة الاستجواب أن البون لازال شاسعاً بين عقلية جهاز الاستخبارات العسكرية وبين الحراك السياسي والحريات الصحافية والنهج الديمقراطي الذي تعيشه اليمن، حيث شعرت أنهم كانوا يتعاملون معي بعقلية ما قبل العهد الديمقراطي، أي قبل قيام الوحدة اليمنية عام 1990، لمست أنهم لا زالوا يرون أن التعامل مع صحيفة خارجية نوع من التجسس لصالح جهة خارجية وان النشر في الخارج يختلف عن النشر في الداخل، وأنه إذا كانت المعلومات التي نشرتها في تقريري الإخباري قد نشر أغلبها في الداخل فهذا لا يعفيني من المسؤولية، لأن النشر في الداخل للاستهلاك المحلي أما في الخارج فإنه كشف للمستور وفضح لما لا يجب الإفصاح عنه.
الأغرب من هذا كله أني لمست أن جميع من حققوا معي لم يقرأوا تقريري الإخباري وليس لهم علم بتفاصيله، وكان كل واحد منهم يطلب مني إعطاءه نبذه عن الموضوع الذي نشرته، حتي ان أحدهم بدأ يحقق معي وهو لا يدري من أنا ولا ما هي القضية التي تم اعتقالي بشأنها! طبعا في نهاية كل تحقيق كانوا يجبرونني علي التوقيع والبصم علي كل ما تم تدوينه من إجابات أثناء التحقيق وكانوا يتعاملون معي أثناء التحقيق وكأني مجرم حرب، أو عسكري فار من ساحة المعركة أو ما شابه ذلك، فطلبت منهم أن يتعاملوا معي كصحفي ومن الضروري أن يتفهموا طبيعة العمل الصحافي، لكن كما يقال الطبع غلب التطبّع .
البعض يعتقد أن الموضوع انتهي لمجرد إطلاق سراحي من المعتقل بتوجيه رئاسي ولكن ما أخشاه هو أن يظلم الكثيرون ـ دون ذنب ـ من بعدي من العاملين في المؤسسة العسكرية والأمنية، لمجرد تشابه أسمائهم مع كنيتي مع أني لا أعرفهم أو لمجرد وجود أسماء تتشابه مع أسمائهم في هاتفي الجوال، أتمني أن يخيب حدسي هذا وأن يترفع المعنيون بالأمر عن الانتقام ممن ليس لهم لا ناقة ولا جمل في الموضوع.