Skip links

تعديلات مشروع قانون المطبوعات والنشر: سالبة أم داعمة للحريات؟

يمثل
الأردن قياسا بالدول العربية واحة حقيقية للحريات الصحفية ، ففي الوقت الذي كانت
الكويت هي الاقل انتهاكا للحريات الصحفية احتل الأردن ثم مصر وقطر ، المراتب
التالية ، وفق تقرير اللجنة الدائمة للحريات الصحفية في الاتحاد العام للصحفيين
العرب للعام 2005 ، وهي مرتبة مدعاة للاعتزاز ، وحافز قوي لتحقيق المزيد من
الانجاز ، على الرغم من أن صورة العرب عموما في عدد من التقارير الدولية غير سارة
في هذا المجال ، حيث تظهر إن جميع الدول العربية تقع في خانة الدول غير الحرة
باستثناء الكويت ولبنان التي صنفت بأنها حرة نسبيا. رغم ان التقارير الدولية تركز
على جوانب محددة ، ثم تستند في معلوماتها على عدد قليل من مصادر المعلومات ، وهو
ما يخلق بعض الثغرات في تقاريرها ، وفق تقدير لجنة الحريات.. ولعل أخطر ما توصلت
إليه اللجنة يتركز في إن أغلب المؤشرات المعتمدة دوليا لقياس الحريات الصحفية قد
تم انتهاكها في أغلب الدول العربية وإن تباينت حدة الانتهاك أو تكراراته أو عدد
المؤشرات المنتهكة من دولة لأخرى ، ذلك يعني أن مستوى الحرية الصحفية في الوطن
العربي يمثل امتدادا لمستوى الحريات العامة الأخرى والتي يصعب وصفها بأنها على ما
يرام.

ويحسن بنا
أن نتوقف قليلا أمام بعض النتائج المهمة التي خلص إليها تقرير لجنة الحريات التي
يرأسها مدير عام الدستور الزميل الأستاذ سيف الشريف ، ومنها: 1 – تبين أن العراق
هي الدولة الأكثر معاناة في مجال الحريات الصحفية ، فقد بلغ مجموع الحالات المسجلة
فيها في المجالات كلها ( 18 نقطة).

ومع
استبعاد الدول التي كانت إجاباتها غير مستوفاة ، وجدت اللجنة أن اليمن تأتي في
المرتبة الثانية (17 نقطة) وتحتل الجزائر المرتبة الثالثة من حيث انتهاك الحريات
الصحفية (11 نقطة).

2 – سجلت
كل من البحرين والإمارات العربية المتحدة مستوى متماثلا من حيث انتهاك الحريات
الصحفية (10 نقاط لكل منها) تليهما فلسطين ثم الصومال فلبنان فالمغرب فالسودان
وتونس وسوريا.

أخيرا ،
نلحظ أن اللجنة خلصت إلى نتيجة في غاية الأهمية وهي أن دراسة اللجنة للتشريعات
العربية ذات العلاقة بالحريات الصحفية تدل على وجود فروق شكلية بين أغلب الدول
العربية ، وهو ما يستدعي تعميق البحث من الجهات القانونية في هذا الجانب والسعي
لإعادة النظر في كافة النصوص التي تشكل سدا أمام تطور الصحافة العربية ومصداقيتها
وبالتالي تطور الحريات العامة في مجتمعاتنا.

وهذا ما
يوصلنا إلى الحديث عن قانون المطبوعات في الأردن ، وما أثير حول إقرار لجنة
التوجيه الوطني لمشروع القانون المعدل له ، وبين يدي هذا الأمر لنا جملة من
التعليقات.. أولا – هناك عدم استقرار تشريعي طال جميع القوانين الناظمة للحريات
العامة ، ومنها قانون المطبوعات الذي تعرض لجملة تغييرات حادت به عن أول قانون سن
بعد عودة الحياة البرلمانية إلى الأردن في العام 1989 ، وتعكس هذه التغيرات على
نحو أو آخر ، ترددنا في الأردن أمام المضي قدما أو السير بخطى وئيدة أو التوقف
كليا في مسيرة الإصلاح ، وفقا للظروف والمعطيات المحلية والتغيرات الإقليمية ، وقد
كانت المحصلة أن الصحافة وإن حافظت على منجزاتها ومكاسبها بفضل جهود جنودها وكثير
من أنصارها في أعلى مراتب صنع القرار في الأردن ، رغم اضطراب التشريع وتذبذبه ،
إلا أن الجو العام ظل غير موات لانطلاق الإعلام الأردني للمرتبة التي أرادها الملك
عبدالله الثاني الذي أطلق مقولته الشهيرة ، والتي أصبحت لازمة تتكرر في كل مناسبة
، وهي أن سقف الصحافة السماء، ثانيا – لعل هذا يقودنا إلى ظاهرة تحتاج لحفر وتفكيك
في الحياة الأردنية ، وهي أن هناك الكثير من التوجيهات الملكية التي تتماهى مع
رغبة المجتمع الأردني لا تجد تطبيقات ناجحة تماما لها حين تصل إلى الأرض ، حيث
يصار إلى ترجمتها على نحو لا يحقق روح التوجيه الملكي ، فمشروع قانون المطبوعات
الذي نحن بصدده لا يوصل الحرية إلى هذا السقف الملكي..

ثالثا –
وحين ندخل في تفصيلات هذا المشروع ، نفاجأ أن هناك مأخذين خطيرين جدا لاحظهما غير
واحد من المراقبين والمعنيين بالحيرات العامة في الأردن ، أما الأول فيتعلق برؤية
المشرع لملف حرية الرأي عموما ، حيث اعتبر أن هذا الملف يخص قطاع الصحافة وإعلام
فقط ، في حين أنه واحد من الأطر المهمة الناظمة للحياة الديمقراطية ، فعلى سبيل
المثال ، أصرت لجنة التوجيه الوطني على إبقاء عقوبة حبس من يرتكب
"جريمة" مطبوعات ، باعتبار أنه لا يجوز دستوريا منح الصحفي حصانة تميزه
عن باقي المواطنين ، مع العلم أن نص مشروع القانون يشمل كل صاحب رأي ، وليس مقصورا
على الصحفي ، وبدا أن إبقاء عبارة (مع مراعاة التشريعات النافذة في مشروع القانون)
تعني صراحة وبوضوح إبقاء عقوبتي التوقيف والسجن على أصحاب الرأي ، وليس الصحفيين
والإعلاميين فحسب ، والوقائع تثبت أن الإعلاميين كانوا يوقفون ويسجنون طوال
السنوات الماضية استناداً للتشريعات الأخرى النافذة مثل قانون محكمة أمن الدولة
وقانون العقوبات وقوانين أخرى كثيرة. أما المأخذ الأكثر خطورة ، فهو متعلق بتناقض
المبادىء التي جاءت في باب الأسباب الموجبة لتعديل القانون ، مع التعديلات التي
أدخلت على المشروع ، وقد جاء في الاسباب الموجبة.. (بانه لاتاحة الفرصة لقطاع
الصحافة والنشر لاداء مهماته بكل استقلالية وشفافية وما يقتضيه ذلك من وجوب تسهيل
الاداء الصحفي بمنحه مزيدا من الحريات الصحفية المسؤولة ، ونظرا للتطورات
المتسارعة التي طرأت على هذا القطاع ما يستدعي عدم معالجة المخالفات المرتكبة
خلافا لاحكام هذا القانون بآلية القواعد العامة السالبة للحرية في قانون العقوبات
وهو ما ذهب اليه القانون الاصلي..) ما يعني أن الهدف من التعديل منح الصحفي مزيدا
من الحريات ، إلا أن إبقاء عقوبة الحبس وتغليظ العقوبات بحيث تصل غرامة إحدى
المخالفات إلى عشرين ألف دينار ، وضع مزيدا من القيود على الحريات ، وسلب أي مكتسب
متوقع مما ورد في الأسباب الموجبة ، بل أضحت الأسباب الموجبة متحققة ولكن عكسيا ،
وهو ما لا يستقيم لا تشريعيا ولا منطقيا ، بل ذهب بعض الزملاء إلى القول أن من وضع
التعديل ومن وافق عليه خالف الأصول المرعية في مثل هذه الحالات ، ما يفتح باب عدم
قانونية القانون ، ومما يقال هنا أن فرض غرامة على صحفي مبلغ عشرين ألف دينار ستتحول
فورا إلى سجنه بما يعادل المبلغ ، لأن من يملك من الصحفيين هذا المبلغ يعدون على
أصابع اليد الواحدة ، وهذا يعني سجنه عددا من السنوات يعادل دينارين في كل يوم ،
فأين رفع سقف الحريات والحد من القوانين السالبة للحريات الصحفية والإعلامية؟؟
ثالثا – ثمة وقفات ومآخذ أخرى خاصة بالمشروع المقدم لتعديل قانون المطبوعات ، منها
: – مثول الصحفيين أمام نيابة ومحكمة أمن الدولة في بعض الجرائم التي تدخل ضمن
اختصاص محكمة أمن الدولة ، حيث لا يمنع مشروع القانون المعدل المقدم من الحكومة
محكمة أمن الدولة من نظر قضايا المطبوعات والنشر لوجود نص المادة 3 من قانون محكمة
امن الدولة الذي يجعل الاختصاص لها في العديد من قضايا المطبوعات والنشر وهذا يعني
انه سيخضع لاجراءات النيابة العامة لمحكمة أمن الدولة – مثول الصحفيين أمام
المحاكم طوال اجراءات المحاكمة: لا يمنع مشروع القانون المقدم من الحكومة من مثول
الصحفي أمام المحكمة طوال اجراءات المحاكمة ، لان النص الوارد في المشروع ( المادة
30 سابعاً ) أمر جوازي للمحكمة وهو نص غير جديد اذ ان ذات النص موجود في المادة
168""من قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني الساري المفعول . ولكن
يطبق فقط في الجرائم التي تكون عقوبتها الغرامة فقط . وهذا لا يطبق على جرائم
المطبوعات خلافا لقانون العقوبات وقانون انتهاك حرمة المحاكم . – تعدد القوانين
التي يحاكم بموجبها الصحفيون في قضايا المطبوعات والنشر ، لايمنع مشروع القانون
المقدم من الحكومة من تطبيق أكثر من قانون على قضايا المطبوعات والنشر خاصة قانون
العقوبات ، فالصحفي في الاردن يحاكم على أكثر من قانون وفي الغالب يحاكم ويعاقب
بموجب قانون المطبوعات والنشر وقانون العقوبات .

– حق
الصحفيين في الوصول الى المعلومات والاخبار والحصول عليها من مصادرها وتداولها ،
لا يسمح المشروع المعدل المقدم من الحكومة للصحفي في الحصول على المعلومات من
مصادرها ، خاصة ان المشرع في المادة (5 ـ ج) يضع التشريعات المتعلقة بالسرية في
الاعتبار عند اعطاء المعلومات. بل وعلى العكس هناك العديد من القيود على حق الوصول
للمعلومات مثل قانون حماية اسرار ووثائق الدولة. وأخيرا حرية إصدار الصحف وممارسة
العمل الصحفي ، حيث يضع مشروع القانون المقدم من الحكومة قيداً على ممارسة العمل
الصحفي اذ يشترط الانتساب الى نقابة الصحفيين لممارسة العمل الصحفي .

كما لا
يزال يأخذ بنظام الترخيص المسبق للصحف والذي لم يعد مطبقا في الدول الديمقراطية .

الكاتب:حلمي الاسمر