Skip links

جلد الصحفيين وحال الفكر الإسلامي

في فتوى حديثة طالب شيخ الأزهر طنطاوي بجلد الصحفيين الذين “يروجون الإشاعات” ثمانين جلدة تطبيقا لحد القذف في حقهم. وبعيدا عن السياق السياسي الواضح الذي أطلق فيه شيخ الأزهر هذه الفتوى فإن هذه الفتوى يمكن أن تكون دلالة تشير إلى حال الفكر الإسلامي اليوم. صحيح أنها فتوى فردية لكنها تحظى بقبول عام ولو من ناحية المبدأ على أقل تقدير.

هل يمكن أن تطلق مثل هذه الفتوى في غير العالم الإسلامي اليوم؟ أي هل يمكن أن يطالب رمز ديني رسمي في العالم كله بجلد الصحفيين؟ هل يمكن أن يحدث هذا في أفريقيا وأمريكا الجنوبية فضلا عن شرق آسيا وأوروبا وأمريكا؟ لا أظن هذا يحدث في أي مكان سوى في البلاد الإسلامية وعلى لسان رموزها الدينية. ولكن لماذا؟ لماذا لا يمكن أن تحدث هذه الفتوى إلا هنا دونا عن سائر بلاد الدنيا؟ ببساطة لأن غالبية شعوب العالم تسير في أفق معرفي وإنساني لم يعد من المفكر فيه فضلا عن أن يكون مقبولا فيه جلد الصحفيين إذا نشروا خبرا غير موثوق. كل العالم يفهم دور الصحافة كسلطة رابعة يجب أن تفتح لها أبواب الحرية لتراقب ما يجري في بلادها والعالم وتسمح للآراء أن تكون ممثلة وتأخذ حقها في التعبير. هذا الأفق وصل له الإنسان في العصور الحديثة كتطور هام وكبير في فهمه لحرية الإنسان وحقه في التعبير ولدور الصحافة كسلطة رابعة تشارك السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية وتراقبها من أجل ضمان أن تكون هناك جهات مستقلة تستطيع مخاطبة الرأي العام والتأثير فيه.

أين الفكر الإسلامي اليوم من هذا كله ؟ أو لنكن أكثر دقة أين أكبر التيارات الفكرية الإسلامية صاحبة الشعبية والتأثير من هذا الأفق. أي من أفق حرية التعبير وفهم دور الصحافة؟ إنها لا تنتمي لهذا الأفق بشكل واضح وصريح فهي لا تزال تنظر بعين القرون الوسطى وتفكر بعقلها. من هنا تأتي مطالبة شيخ الأزهر بمقاطعة الصحف التي تنشر الإشاعات وفتواه بتحريم قراءتها. الذي يعرف عمل الصحافة والإعلام ودورها اليوم يعلم أنه من الضروري أن تصدر أخبار غير موثوقة المصادر إما بسبب الخوف على المصادر من العقوبة أو لأن الخبر غير صحيح ببساطة. لا يمكن تخليص الصحافة من هذا الوضع إلا إن أردنا إغلاقها بالكامل وأعتقد أن هذا الخيار سيكون مرحبا به من كثير من ممثلي التيارات الإسلامية.

في الستينات من القرن المنصرم تصالحت الكنيسة المسيحية الكاثوليكية مع الحداثة وتوقفت عن تكفيرها واعترفت بجملة الحريات و بمنجزات عصر التنوير، اعترفت بالأديان الأخرى وبحرية العقيدة. وهي بذلك خطت خطوة هامة لتكون منسجمة مع المجتمع الذي تعيش في داخله وترغب أن تكون عنصرا مهما في حياته. هذا التطور في فكر الكنيسة جاء بعد سلسلة طويلة من الصراعات العنيفة والدامية مع الفكر الحر. الفكر الذي انتصر أخيرا ليقدم للعالم منظومة حقوق الإنسان التي تؤطر الممارسات المتعلقة بالإنسان في العالم كله ما عدا العالم الإسلامي متمثلا في رؤية رموز وأتباع التيارات الدينية. في الإطار الإسلامي لم يحصل هذا التطور بعد ربما لأن الصراع لم يصل بعد إلى مستوى صراع الكنيسة مع الفكر الحر. ربما تكون أحداث الحادي عشر من سبتمبر شكلاً من أشكال هذا الصراع أو الاصطدام بالعالم ولكن الصراع الفكري لم يتحقق بعد بالشكل الذي يساهم في تفكيك الأصوليات وتطوير الفكر الإسلامي تبعا لذلك. أي إنه لم يتشكل بعد تيار فكري مؤثر وفاعل خارج التيارات الدينية يتصارع معها فكريا ويجبرها من خلال النقد على أن تتطور وتخرج من آفاق القرون الوسطى التي تقبع فيها.

موقف التيارات الإسلامية اليوم من الحرية بأنواعها وحرية التعبير بشكل خاص موقف بالغ الدلالة والأثر. هزئ الكثير من الناس من ممارسات حركة طالبان حين استلمت الحكم في أفغانستان ولكن يبدو أن الحال ستتكرر لو استلم أي حزب أو تيار إسلامي اليوم الحكم وانفرد به. حرية التعبير مفهوم لا يعني سوى التعبير في إطار هذه الجماعات وكل ما يخرج عنه هو ضلال وفسق يجب العقاب عليه بالجلد إن لم يصل إلى حد القتل. حين سئل شيخ الأزهر عن هذه الفتوى التي أصدرها وعن غضب الصحفيين منها قال “أنا حر.. أقول ما أعتقده.. أليست هذه حرية الرأي التي ينادون بها.. ويحللونها لأنفسهم ويحرمونها على غيرهم”. إن استخدام حجة الحرية هنا، كما يتضح من السياق، هو بهدف مناكفة الصحفيين لا قناعة بها. وهو هنا لا يفرق بين استخدام الحرية لممارستها والبحث عن المزيد منها وبين استخدامها لتقليصها وحرمان فئة من الناس منها والمطالبة بجلدهم. لشيخ الأزهر حقه في التعبير طبعا وهذا مفيد جدا في تطور الفكر في المنطقة عموما. الصراحة والمباشرة تسارع في كشف الأوراق ووضوح الرؤية. هذا أفضل من التعمية والإخفاء والازدواجية في التصريح ما بين الأتباع وبين الإعلام. لا يوجد حدث أكثر مباشرة ووضوحاً من أحداث الحادي عشر من سبتمبر ولذا نرى الأثر الفكري الكبير لهذا الحدث على الكثير من الأفراد في العالم الإسلامي. لقد ساعدهم في كشف الأمور ووضوح الصورة وساعدهم ولو نفسيا على تجاوز ترددهم والتخلص من الكثير من الأفكار البالية التي تعيق حرية الإنسان وتفقده معنى وجوده.

هذه الفتوى تشير اليوم بوضوح إلى موقف الكثير من ممثلي التيارات الإسلامية من القانون. القانون الذي لم يتصالحوا معه أبدا، وهذا وضع طبيعي كون هذا القانون ينتمي إلى منظومة فكرية تختلف عنهم كثيرا. ولذا نجد أن شيخ الأزهر لا تكفيه قوانين معاقبة الصحفيين الموجودة في القانون ويقترح بدلا منها عقوبة الجلد ثمانين جلدة باعتبار نشر الإشاعات من نوع القذف في اجتهاد فقهي غريب ومتجاوز كثيرا للقوانين التي يضعها شيخ الأزهر للاجتهاد. وإن كانت هذه الحال مع القوانين المعمول بها الآن فالسؤال المهم ما هو البديل لدى هذه الجماعات الإسلامية ؟ المؤكد أن البديل لن يسمح بوجود صحافة حرة كما هي اليوم. بل سيغلقها جميعا. فالفكر الذي يستوعب جلد الصحفي على نشر معلومة غير موثوقة لن يستوعب أن يشرع لهذا الصحفي ما يكفل له حرية التعبير والحق في نشر المعلومة للناس. ينسحب هذا الوضع على كل مجالات التعبير من صحافة وكتب وندوات وفنون. باختصار لن نجد سوى طالبان أخرى. الاطلاع على المذكرة التي وزعتها جماعة الإخوان المسلمين مؤخرا والتي يرسمون فيها الخطوط العريضة لتصورهم للمستقبل ورؤيتهم للحياة السياسية والاجتماعية يجد أن الجماعة لم تتجاوز بعد إشكالياتها ولا تزال أفكارها تمثل خطرا على غيرها من التيارات حتى الإسلامية منها. قضايا الدولة المدنية والمواطنة والمساواة وحقوق المرأة لا تزال مساحات لم يستطع الفكر المسيطر داخل الجماعة التصالح معها والخروج بنظرة تجعلها محل اطمئنان من قبل الشركاء في الوطن.

التاريخ يقول إن الأفكار لا تتطور حتى تتعرض لتحديات كبرى وأنواع من الصراعات التي تستحث العقول والأرواح وتجعلها في حاجة للتغيير والنهوض. وأبرز مستحثات التغيير هي تلك الأفكار المخالفة والمعارضة. ولذا من المهم اليوم على التيارات الفكرية والسياسية التي تقوم على حقوق الإنسان و الحريات أن تبذل جهدا مضاعفا لتأسيس هذه المفاهيم وممارستها ومواجهة الأفكار المعارضة لها بصراحة ووضوح فهذا هو الكفيل بتحريك الساكن المستقر في الساحة الفكرية العربية والذي قد يحمل معه يوما التغيير الذي طال انتظاره.