Skip links

حروب الصحفيين

تغيرت أسلحة الحروب, فتغيرت بالتالي آلياتها ونتائجها. فبعد أن كان الفارس يتغنى بآيات الشجاعة والاقدام إذ هو يمتشق سيفه في وجه خصمه ويلتحم به ذراعا لذراع وإرادة بإرادة, بات التخفي سيد المعركة حيث لا سيف ولا وجه ولا ذراع, إنما هي قذيفة تنطلق من بارجة على بعد مئات الاميال أو جهاز كمبيوتر تشغله آنسة ظريفة ترتدي الكاكي في قاعدة مكيفة الهواء. وسقطت من قاموس الحرب مفردات كثيرة أولها الشجاعة والاقدام اللذان لم يعد لهما وجود في حرب تقررها الرياضيات والاحداثيات الهندسية. وفوجىء العالم, خصوصا عالمنا الثالث الذي كان حقل تجارب الحروب الجديدة, بهذه التطورات المذهلة, وكنا نحن العرب والمسلمين أول من أحس بوقع الصدمة في العراق وافغانستان وكوسوفو والصومال وغيرها.

وكان من مفارقات هذا التغير الوضع الجديد الذي وجد الصحفيون أنفسهم فيه وهم يغطون المعارك والحروب. فقد حل الاعلام محل السيف في مسيرة التحول الحربي. وفي حرب حسم فيها مشهد تلفزيوني نتيجة المعركة كما حدث في مسرحية اسقاط تمثال صدام حسين, لا بد للاعلامي صحفيا كان أم مصورا أن يتوقف قليلا ليستطلع تضاريس الموقع الذي نقلته اليه على حين غرة ثورة الاتصالات, وغلبة الدعاية التي صار اسمها اليوم ” العلاقات العامة “, والتنافس التجاري الحاد بين المؤسسات الاعلامية, والحث المستمر لشهية الجمهور للمزيد من الاخبار ” المثيرة”.

الصحفي الذي كان يتباهى بانتمائه الى ” مهنة المتاعب ” حين لم تكن تلك المتاعب تتجاوز زعل هذه الجهة أو تلك, أو ملاحقة هذا الجهاز أو ذاك, وجد نفسه فجأة وسط نيران حقيقية تأتيه مصوبة بالليزر أو موجهة بالاقمار الصناعية في حين يقف تحت وابلها أعزل إلا من قلم أو مايكروفون أو كاميرا, لا يحسب حسابه, حياً, أحد, ولا يطالب بدمه, قتيلاً, أحد. في الحرب, كما في كل شأن آخر, هناك ما يعرف ب¯ ” قواعد اللعبة “.وإذا كان التغير الذي طرأ على طبيعة الحروب قد غير قواعدها بالنسبة للمتحاربين, فإن دخول الصحافة والصحفيين الى دنيا الحرب بهذه الكثافة لم توضع له بعد قواعده الخاصة به. ولهذا يموت الصحفيون الذين يغطون الحروب أو مناطق التوتر بهذه الاعداد الكبيرة, ويتعرضون للخطف, والحبس, والضرب, وشتى أنواع المعاناة بمجانية مطلقة. وفي حين يتمتع الجندي بذروة ما أفرزته تجارب الحروب الطويلة من اجراءات الحماية, يتقدم الصحفي الى الميدان هدفا سهلا ومكشوفا لكل رامٍ قريب أو بعيد. وعلى الرغم من أهمية الصحفي الحاسمة في خوض الحروب الجديدة, فإن موته أو معاناته ما تزال مجرد ناتج عرضي لا يتحمل مسؤوليته أحد. مطلوب ميثاق للصحفيين يتماشى مع أدوارهم المهمة والمحفوفة بالخطر في المعارك الجديدة سواء ما دار منها بين الجيوش أو بين التيارات المتصارعة حول قضايا العصر مثل حقوق الانسان, والديمقراطية, والمقاومة, والعولمة وغيرها. ومطلوب من الصحفيين أن يعوا أهمية دورهم في حسم تلك المعارك, وأن يطالبوا بحقوق وحمايات تتناسب مع ضخامة ذلك الدور.

و…يا صحفيو العالم اتحدوا.