Skip links

رقابة من خرم الباب …

كثير من المثقفين والصحافيين والكتاب الأردنيين يتساءلون في كل لحظة عن الديمقراطية التي يتم الحديث عنها في الإعلام الرسمي، ويتساءلون عن معني تلك الشعارات والدعوات بالحرية الفكرية والتنمية الثقافية في ظل مؤسسات ما زالت تمارس المنع والمصادرة و التضييق علي حرية الرأي والتعبير. فما معني أن تشهر المؤسسات الرسمية طبولها للتغني ( بالديمقراطية ) وهي لا تزال تمارس أحكاما بدائية عرفية و رقابية تفرضها علي الإعلام والفن والفكر . كما ويري الكثير من المثقفين أيضا أن عسر الهضم ليس نتيجة الطعام غير الصحي والمليء بالدهون فقط، بل هو ناتج أيضا عن الطعام الفاسد الذي يتناوله الناس عنوة.

فبعد صدمة المثقف والصحافي الأردني، عندما اقر مجلس النواب وبتناغم وانسجام مع الحكومة، تعديلات قانون المطبوعات والنشر، التي أوصت بها لجنة التوجيه الوطني فيما يتعلق بحبس وتوقيف الصحافيين والكتاب الذين خاضوا وقتها معركة طويلة بهدف عدم تمرير تلك التعديلات، ها هو السيد الرقيب ممثلا بـ دائرة المطبوعات والنشر يستعد هذه المرة للتضييق علي الصحافة الالكترونية، التي شهدت مؤخرا نشاطا ملحوظا علي الساحة الأردنية . ويبدو أن اجهزتنا الرقابية التي لا يفوتها شيء قد قررت أن تواكب التقدم والتكنولوجيا !! وان تفتح أعينها علي المواقع والصحف الالكترونية، والتي يبدو أنها وجدت فيها خروجا خطيرا علي نمط الإعلام الذي اعتاد المواطنون سماعه، الاعلام الذي تنظر له شريحة واسعة وكبيرة من الأردنيين علي انه إعلام مدجن يغرد خارج سربهم ولا يحظي بالمصداقية والمهنية والثقة التي ينبغي توفرها بين المؤسسة الإعلامية والمتلقي.

فوجئ كثير من المثقفين والصحافيين بإعلان دائرة المطبوعات والنشر أنها ستبدأ رقابتها علي كل المواقع والصحف الالكترونية التي باتت تخضع لرقابتها، وستقوم بالإشراف علي هذه المواقع ومتابعة ( التجاوزات ) التي من الممكن أن تصدر عن تلك المواقع، حيث قرر ديوان التشريع في رئاسة الوزراء و بناء علي توصية من دائرة المطبوعات والنشر اعتبار المواقع الالكترونية الصحافية، والصحافة الالكترونية بشكل عام، خاضعة للتدقيق من دائرة المطبوعات والنشر ولقانونها.

وهنا تبرز مرة أخري أصوات جزء كبير من المثقفين والصحافيين الذين يرون أن الجهات الرسمية ومهما شطحت في الدعوة إلي النقد والمشاركة في الرأي والتعبير، فهي دائما تتطلع إلي الرأي المؤيد والمساند لها، وفي نفس الوقت تتلقف الرأي المعارض الذي تحس بأنه يضايقها لتخنقه وتضيق عليه، وإذا بالرأي الناقد أو المعارض يتحول إلي تآمر وخيانة وتشويه وموضع شبهة !! … فالمواطن الصالح من هذا المنظور هو الطيع الهتاف المصفق والمهلل لكل تحرك أو رأي رسمي..وهو الذي يهتم فقط بشؤونه المعيشية كيف سيأكل وينام ويشرب.

وللأسف فإن هذا الواقع دفع ويدفع جزءا كبيرا من الصحافيين والإعلاميين الأردنيين إلي التطلع للخروج من الدائرة التي تأكل نفسها لتظل محافظة علي نفس الحجم الذي وضعت لأجله، فتراهم يقفزون إلي اقرب حافلة بإمكانها ان تنتشلهم من محيطهم الداخلي الباهت، ليستطيعوا العمل والتحرك والتقدم بشكل أفضل، وقد يكون هذا من الاسباب الرئيسية التي تفسر بؤس الإعلام المحلي الأردني، والامثلة جد كثيرة علي كفاءات اردنية عالية ومهنية ازدهرت ونجحت في الخارج بعدما خرجت من محيطها الذي لو بقيت فيه لما كان لها هذا النجاح.

أجهزتنا الرقابية وفي كل البلاد العربية وللأسف هي النتاج أو الإفراز البكر لثقافة أخري اعم، وهي ثقافة الترويع، التي تعمل علي تنويم الناس مغناطيسيا من خلال حزمة كبيرة من أدبيات الخوف و الزجر والنهر الخرقاء، والتي حولت إعلامنا المحلي إلي ضواح فقيرة بائسة شبه مهجورة يغلب عليها طابع واحد قديم لا يتغير لا بشكله ولا بمضمونه .

إن الحرية الفكرية وحرية الرأي والتعبير ليست فقط نقيض ثقافة القطعنة والامتثال والسير بمحاذاة الجدران، بل هي المستقبل المسلح والمدجج بمضادات الاضمحلال والاستنقاع، والتكرار العقيم، الذي يحرم المجتمعات من النمو والازدهار والتقدم. ومن المؤكد ان فقه الامتثال والسير بمحاذاة الجدران في طوره إلي الخمول والاضمحلال، في ظل الانفتاح الهائل في تكنولوجيا المعلومات التي أتاحت التكلم للملايين من الناس المغيبة والمهمشة والمقموعة حول العالم، فالإنسان الذي عاش علي العشب مع القطيع وشاهد صورته في الماء قرر أن يعود إلي ذاته متحررا من الثغاء الذي تلقنه وعاشه.

نتساءل في ظل ثورة المعلومات هذه، كيف سيستطيع الرقيب أن يحكم قبضته علي الصحافة الالكترونية التي قرر أن يراقبها، كما ونتساءل ان كان بإمكانه النظر إلي العالم من خلال خرم الباب الذي لن يتيح له سوي السواد ليتأمل فيه، هذا السواد الذي سيوصله إلي حقيقة مفادها ان زمن الرقابة قد انتهي، ومارد اواخر القرن الماضي الذي افزع الناس، هو الآن في طوره إلي التقزم و الضمور والانحسار، ليصبح لا حول له ولا قوة في هذه الحقبة الجديدة (الحقبة الانترنتية).