Skip links

زلزال يصيب قطاع التلفزة الفرنسي جراء إصلاحات ساركوزي

هل رغبة إصلاح قطاع التلفزة في فرنسا تعود لرغبة الرئيس الفرنسي المعروف بنهمه التلفزيوني في السيطرة على القنوات العامة بعدما أحكم سيطرته على القنوات الخاصة عبر صداقاته القوية مع اصحابها والمشرفين عليها؟ أم أن ما يحرك ساركوزي وحكومته سعي صادق لإيجاد تلفزيون حكومي جيد النوعية ومتحرر من «ديكتاتورية» الإعلان لكي ينصرف نحو الإبداع والتعدد والانفتاح؟

 

هذه، باختصار، الإشكالية التي تطرحها إحالة الحكومة في اجتماعها يوم الأربعاء الماضي مشروع قانون الإصلاح التلفزيوني الى مجلس النواب والشيوخ لمناقشته ولإقراره قبل أن يتحول الى مراسيم تطبيقية سيعدل العمل بها، وفي العمق المشهد التلفزيوني الفرنسي. وليس من المبالغة القول إن إصلاحات ساركوزي هي الأهم التي تطال هذا القطاع الحساس منذ العام 1987 حيث تم بيع القناة الأولى للتلفزيون الى القطاع الخاص في ظل حكومة يمينية «حكومة جاك شيراك» ورئيس اشتراكي «فرنسوا ميتران». وقالت كاترين تاسكا، وزيرة الثقافة السابقة إن اصلاحات ساركوزي ستكون بمثابة «هزة أرضية» وأنه «تختبئ وراءها أجندة اقتصادية وسياسية». وليس الجدل الدائر في فرنسا «حول الإصلاحات» بين مؤيد «اليمين» ومعارض «اليسار» جديدا. ذلك أنه انطلق بداية العام الجاري عندما فاجأ ساركوزي ممثلي الوسائل الإعلامية في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي بإعلانه من قصر الاليزيه أنه يريد قنوات تلفزة عامة «من غير إعلانات». ثم فاجأهم مرة ثانية، بعد عدة اسابيع بقوله إنه من الطبيعي أن تعود للسلطة التنفيذية أي الرئاسة والحكومة مهمة تعيين مسؤولي التلفزيون الحكومي انطلاقا من مبدأ أن من يمول له حق القرار كما يحصل في الشركات من أي نوع. وكلفت لجان بينها لجنة برلمانية عهدت إدارتها الى جان فرنسوا كوبيه، رئيس مجموعة نواب حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني الحاكم في مجلس النواب مهمة بلورة «مقترحات عملية» لترجمة الإرادة الرئاسية الى أرض الواقع. وانطلقت وزيرة الثقافة من هذه المقترحات لتتقدم بمشروع قانون الى مجلس الوزراء الذي أقره وأحاله إلى البرلمان. ولكن ما الذي يتضمنه المشروع الحكومي؟

 

يقوم المشروع الحكومي على أربع ركائز أهمها حجب الإعلانات عن القنوات العامة ابتداء من الخامس من يناير المقبل على أن يتم ذلك على مراحل. وخلال المرحلة الأولى تمنع الإعلانات عنها ما بين الساعة الثامنة مساء وحتى السادسة فجرا. وفي المرحلة الثانية التي تبدأ في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، تمنع الإعلانات نهائيا عنها. وسعت الحكومة، عبر التدرج، الى تفادي قلب القواعد التي كان معمولا بها دفعة واحدة لتحاشي انهيار التوازنات القائمة وللحد من قيمة ما يتعين عليها تعويضه على القنوات العامة. وحتى الآن، كان تمويل القنوات العامة يتم عبر مصدرين: الإعلانات من جهة والرسوم السنوية المفروضة على أصحاب اجهزة التلفزة من جهة أخرى فيما القنوات الخاصة تعتمد على مواردها التجارية وأهمها الإعلانات. وكان النظام الهجين يتيح للقنوات العامة نوعا من الاستقلالية إزاء الدولة وميزانيتها. غير أنه بالمقابل كان يفرض عليها التنافس مع القنوات التجارية لجذب أكبر عدد من المشاهدين ما كان يضر بنوعية البرامج المقترحة التي كان يغلب عليها الطابع الشعبوي. وبينت دراسة شركة «زنيت أوبتيميديا» التابعة لمجموعة بوبليسيس أن القناة الأولى التجارية في التلفزيون ستحصد 57 بالمائة من الـ280 مليون يورو من قيمة الإعلانات التي كان يفترض أن تذهب الى القنوات العامة بينما ستحصل قناة أم 6 التجارية أيضا على 23 بالمائة وما تبقى للقنوات الرقمية الأرضية وكلها خاصة. وفيما قالت وزيرة الثقافة كريستين البانيل إن المشروع الإصلاحي جيد لأنه يوفر هوية محددة للقنوات العامة ومزيدا من الوسائل المالية للقنوات الخاصة اعتبره فرنسوا بايرو، المرشح الرئاسي السابق بأنه هدية للتلفزة الخاصة. وذهب فرنسوا هولندا سكرتير عام الحزب الاشتراكي الى حد اعتبار المشروع بداية النهاية للقنوات الحكومية لأنه يضعها في قبضة الدولة التي تستطيع تضييق الخناق عليها عندما تريد. وبالأرقام، فإن إصلاحات ساركوزي تعني نقل ما قيمته 700 مليون يورو في العام من الإعلانات للقنوات الخاصةـ ما يعني أن القنوات العامة ستمول من مصادر أخرى. وكانت القنوات الخاصة تطالب منذ سنوات بما قدمه لها الرئيس ساركوزي أي حصر الإعلانات بها دون غيرها من القنوات العامة.

 

تتعهد الدولة وفق المشروع المقدم بضمان العائدات اللازمة للقنوات العامة والمقدرة للعام المقبل بـ 450 مليون يورو عبر ثلاثة مصادر أولها الرسوم المفروضة على مالكي الأجهزة التلفزيونية. وفي هذا الخصوص قررت الحكومة ربط هذه الرسوم بمؤشر التضخم ما يعني زيادة الأعباء المفروضة على دافعي الضرائب. ويتمثل المصدر الثاني في اقتطاع نسبة 3 بالمائة من العائدات الإعلانية للقطاع الخاص وإعطائها للقطاع العام فيما يقوم المصدر الثالث على فرض رسم نسبته 0.9 بالمائة على مشغلي شبكات الاتصالات هاتف ثابت وجوال، انترنت. غير أن هذا المصدر يكتنفه الغموض فلا ضمانات من أن الشبكات المعنية لن تحمل المستهلك قيمة الاقتطاعات التي ستخضع لها. كذلك فإن النص غير واضح لجهة تحديد هوية المداخيل الخاضعة للاقتطاع والأخرى غير الخاضعة له.

 

ولا تتوقف الهدايا الرئاسية للتلفزة الخاصة عند هذا الحد، فقد قررت الحكومة السماح لها بزيادة مدة الإعلانات في الساعة بحيث ترفع الكوتا من 6 الى 9 دقائق ما سيسمح لها بأن تقطع بث الأفلام مرة ثانية وهو ما يتيح لها استيعاب الإعلانات الإضافية التي ستنتقل اليها من التلفزة العامة. وعمدت القنوات الخاصة، منذ الصيف الماضي، لكسر أسعارها في الفترات التي يسمح فيها للقنوات العامة ببث الإعلانات من أجل جذبها اليها. وباختصار، فإن القنوات الخاصة هي الرابح الأكبر ماديا وإعلانيا، فيما الخاسر سيكون المستهلك ودافع الضرائب. وإذا كانت الدولة تتعهد بتوفير التمويل اللازم للقنوات العامة فما هي الضمانة، في زمن الأزمات المالية وعصر النفقات أنها ستمكنها من التطور وأنها لن تستخدم التمويل بابا للضغط عليها وتطويعها؟ وحتى تكتمل الصورة، تجب الإشارة الى أن الإصلاحات تعطي الرئاسة والحكومة حق تعيين رئيس هيئة التلفزيون العامة بعد أن تدمج القناتين الثانية والثالثة. وحتى الآن، كانت هذه الصلاحية عائدة للمجلس الأعلى للسمعيات والبصريات وهو هيئة مستقلة نسبيا. لكن مشروع القرار يلحظ أن التعيين يتم بعد استشارة المجلس الأعلى واللجنة الثقافية في البرلمان. كذلك، فإن إقالة رئيس الهيئة يفترض ألا تعارضه أكثرية من 8 أصوات من المجلس الذي يضم 15 صوتا. لكن هذه التدابير الاحتياطية نظرية أكثر مما هي عملية، إذ ان الرئيس والحكومة قادران على إنفاذ قراراتهما من غير صعوبة. وتثير الإصلاحات مخاوف لدى العاملين في القطاع العام من عمليات تصفية حسابات، خصوصا بعد التصريحات التي أدلى بها فريدريك لوفيفر، الناطق باسم حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية الذي أعلن أنه «من الطبيعي أن يرحل عدد من الناس» عن شبكة التلفزة العامة. ويبقى السؤال الأساسي: هل ستدفع هذه الإصلاحات باتجاه رفع مستوى القنوات العامة بتخليصها من عبء البحث عن التمويل أم أنها ستضمر لمصلحة قنوات تجارية تتمتع بموارد أكبر بكثير مما سيوفر للقنوات العامة؟ من حيث المبدأ، يفترض بالإصلاحات أن تشجع القنوات العامة على الإبداع والتحرر والجرأة بتخليها من دكتاتورية مؤشرات المشاهدة و الإحصائيات. لكن هذا التوقع نظري محض، فيما التخوف من وضع الدولة يدها على هذه القنوات وتوجيهها في الاتجاه الذي تريد حقيقي.