Skip links

سمير قصير.. حلقة جديدة في مسلسل الاعتداءات على الإعلاميين اللبنانيين

غداة جريمة اغتيال الصحافي سمير قصير، اعتصم الاعلاميون اللبنانيون في ساحة الحرية، وسط بيروت. استلوا اقلامهم، رفعوها صامتين غاضبين احتجاجاً على الجريمة.

البعض كان يتوقع هذا المصير لسمير، فهو صاحب اكبر «لا» في التاريخ الحالي للصحافة اللبنانية. انتقد كل ما كان يعتبره مسيئاً للوطنية والحرية مباشرة بكلمات واضحة تتناول صلب القضايا الساخنة. وتحدى الاجهزة الامنية والرقابية في مقالاته.

لم يقتصر مفعول تحريضه على لبنان، وانما طاول المثقفين في عدة دول عربية، لا سيما مثقفي المعارضة السورية، الذين فتحت لهم صفحات «النهار» ملحقها الثقافي. لوحق وهُدد وصودر منه جواز سفره. منع بث برنامج كان يقدمه مباشرة على شاشة التلفزيون الرسمي عنوانه «دون تحفظ» في مطلع عام 2000، وذلك بعد عرض ثلاث حلقات فقط. والسبب كما اوضح رئيس مجلس ادارة التلفزيون آنذاك، جان كلود بولس، كان انزعاج اجهزة السلطة ومن يحركها من جرأة قصير. في تلك المرحلة، اوقف برنامج آخر للاعلامي زافين قيومجيان على المحطة ذاتها، لانه طرح مسألة الفقر في لبنان. فلم يجد بولس واعضاء مجلس الادارة سوى تقديم استقالاتهم لاستحالة العمل في جو الرقابة الخانق. فرأس الامين الذي كان في الفترة نفسها مستشاراً اعلامياً لرئيس الجمهورية اللبنانية العماد اميل لحود، اعترف بعد صدمة اغتيال سمير، ان لمنع البرنامج وملاحقة صاحبه اسباباً اخرى، هي انه كان قد كتب في صحيفة «الليبراسيون» الفرنسية ضد سورية متهماً اياها بتعطيل جهود السلام الفلسطيني والاسرائيلي.

سمير قصير ليس اول شهداء الصحافة، ولن يكون الاخير كما يردد بعض العالمين بالامور، موردين اسماء جديدة على اللائحة. وقمع الصحافة في لبنان ليس حديث العهد، وان بات فاضحاً في الاعوام الاخيرة الماضية. وفي عودة الى هذا الملف نجد ان الصحافيين تعرضوا الى ابشع انواع الخطف والتعذيب والقتل. حتى بات لهم عيد رسمي في لبنان هو عيد شهداء الصحافة الذي يقع في السادس من مايو (أيار) كل عام.

واول ضحايا القلم سقطوا بقرار الوالي جمال باشا العثماني، الذي علق عدداً منهم على المشانق، بينهم باترو باولي وسعيد عقل مع غيرهم من المطالبين باستقلال لبنان عام 1916، وفي ختام عهد الرئيس الراحل كميل شمعون اغتيل الصحافي نسيب المتني، يوم 27 مايو 1958، وكان يشن الحملات على العهد منعاً لمحاولته تجديد ولاية رئاسته. وفي عظته الاخيرة اشار البطريرك الماروني نصر الله صفير الى ان هذا الاغتيال كان بوابة الاحداث الامنية في حينه. وقد اتهم المعارضون انذاك مخابرات الجيش بجريمة الاغتيال التي اسفرت عن تدخل اميركي مباشر في القضية اللبنانية.

في 5/5/1966 اغتيل الصحافي كامل مروة، صاحب جريدة «الحياة» في مكتبه بمسدس كاتم للصوت اطلقه احد حاملي لواء الخط الناصري في لبنان، الذي ترأس في ما بعد ميلشيا من ميليشيات الحرب اللبنانية الممولة من منظمة التحرير الفلسطينية، لتتم تصفية هذه الميليشيا في الزمن السوري بعد الاجتياح الاسرائيلي للاراضي اللبنانية عام 1982. وهرب صاحب هذا «الانجاز» الى فرنسا حيث لا يزال مقيماً.

سليم اللوزي سقط ايضاً ضحية قلمه وذلك في 4 مارس (آذار) 1980، كان في طريق عودته من مطار بيروت، فاختطف واختفى ليعثر عليه جثة هامدة في صندوق سيارته المركونة في حرج عرمون ـ المطل على منطقة خلدة عند تخوم بيروت الجنوبية. اصابعه كانت محروقة بالاسيد.

الاسم التالي على اللائحة كان نقيب الصحافة رياض طه، فقد اغتيل في 28 يوليو (تموز) 1980 برصاص مسلحين مجهولين في منطقة الروشة. وفي 29 اغسطس (آب) من العام نفسه اغتيل صحافي في جريدة اللواء هو يحيى الحزوري في الشياح. وكان عضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي. وفي 9 يوليو عام 1985 سقط سمير عاصم سلام، وهو رئيس تحرير مجلة «الفهرس» مع زوجته وولديه قتلاً في منزله في رأس بيروت. عام 1985 اغتيل الصحافي حسن فخر بقذيفة صاروخية اطلقت على سيارته في طريق احدى القرى التابعة لمنطقة بعبدا ـ عاليه.

كذلك طاول الاغتيال صحافيين غير لبنانيين منهم الصحافي العراقي عبد المجيد وصفي في 20 يونيو (حزيران) 1979، وكان نائب رئيس تحرير مجلة «فلسطين الثورة» وفي العام نفسه اغتيل مراسل صحيفة «شتيرن» الالمانية كارل روبير ليفر في المنارة ـ غرب بيروت. وبالطبع لم يقتصر قمع الصحافيين على القتل، العديد منهم دخل السجن، عقاباً له على جرأته في معارضة السلطة وانتقادها. واشهرهم نقيب الصحافة الحالي محمد بعلبكي وعميد صحيفة «النهار» غسان تويني، لا سيما في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب وسريان نشاط ما كان يعرف بـ«المكتب الثاني» للدلالة على اجهزة المخابرات.

ومن اسرة «النهار» ايضاً الراحل ميشال ابو جودة الذي خطف خلال الحرب الاهلية كذلك تعرض الى محاولة اغتيال كل من عميد اسرة «السفير» طلال سلمان وصاحب مجلة «الشراع» حسن صبرا. اما في جمهورية ما بعد اتفاق الوفاق الوطني تواصلت وسائل القمع السلطوية، لكنها اقترنت بظاهرة القمع الذاتي الذي مارسه عدد كبير من الصحافيين اما خوفاً على حياتهم او طوعاً لمصالح خاصة. ومعظم وسائل الاعلام اللبنانية المرئية والمسموعة والمكتوبة تعرضت الى ملاحقات قضائية نتيجة بثها او كتابتها اخباراً تزعج الرقيب. اما اشهر من عمل مذكرات جلب للتحقيق هو الزميل يوسف الحويك المدير المسؤول في صحيفة «الديار» التي تتعرض حالياً الى ملاحقة حكم قضائي يتهم الاساءة الى رئيس الجمهورية، يطالب بإنزال عقوبة الاشغال الشاقة بحق رئيس تحريرها شارل ايوب. كذلك لوحقت المؤسسة اللبنانية للارسال اكثر من مرة، واوقف بث نشرة الاخبار لعدة ايام بسبب بعض ما ورد فيها.

محطة MTV نالت العقاب الاقصى، حكم عليها بالاعدام، فأقفلت تحت غطاء حكم قضائي.

وفي فورة احداث السابع من اغسطس (آب) عام 2002، عندما قمع الطلاب بالعنف على باب قصر العدل في بيروت دفع الصحافي حبيب يونس ثمن جرأته والتزامه قناعاته، فالقي القبض عليه بتهمة التعامل مع اسرائيل وقضى فترة في السجن.

وكان بيار عطا الله من «النهار» قد واجه نفس التهم، لكنه تمكن من مغادرة لبنان ليمنح في فرنسا لجوءاً سياسياً.

صحيفة «الشرق الأوسط» نالت حصتها من عقاب الرقابة والاجهزة، وذلك مطلع عام 2000، عندما نشرت خبراً عن محاولة اغتيال تعرض لها الرئيس اميل لحود. صودرت الصحيفة في بيروت ومنعت لعدة ايام. ثم لوحق مديرها المسؤول قضائياً حتى حلّت القضية «حبياً» بعد سنوات من دون ان يفهم احد سبب الملاحقة وسبب المصالحة.