Skip links

شبكة إعلام عراقية على شاكلة «بي بي سي» البريطانية… مستقلة وتمولها الدولة

عينت السلطات الأميركية في العراق مفوضا حكوميا للإعلام لإدارة الصحافة وكل أنواع البث الإذاعي والتلفزيوني، ولإنشاء برامج تدريبية للصحافيين ولوضع الخطط الهادفة إلى تأسيس شبكات التلفزيون والإذاعة التابعين للدولة. وتأتي هذه الخطوة كجزء من مساع تهدف إلى تنظيم اعلام عراقي جديد يتفادى الوقوع تحت سيطرة سلطة حديدية كتلك التي كانت سائدة في ظل النظام المخلوع.

وقال مسؤول كبير في سلطة قوات التحالف إن المعايير وآليات فرض القواعد قد تمت صياغتها. ومن المتوقع تشكيل مجلس خاص بتسلم الشكاوى عن التجاوزات الإعلامية، لكن المسؤول رفض الإفصاح عن القيود المفروضة على تغطية الأخبار.

وكان بول بريمر رئيس الإدارة المدنية لقوات التحالف في العراق قد أصدر تعليمات لكل المؤسسات الإعلامية في العراق منعها من التحريض على العنف أو تعزيز «الكراهية الاثنية والدينية» أو نشر معلومات كاذبة «تهدف إلى تعزيز المقاومة» لسلطة قوات التحالف.

وظل الجنود الأميركيون من وقت إلى آخر يقومون بغارات على مكاتب بعض الصحف التي تخرق القواعد المنظمة للنشر، وقد تم إغلاق ما لا يقل عن صحيفتين ومحطة إذاعة واحدة.

لكن الآثار السلبية التي تتركها إجراءات من هذا النوع دفعت قوات التحالف إلى البحث عن طرق أخرى لتنفيذ الرقابة.

وسيكون مفوض الإعلام هو سايمون هاسلوك الذي كان المتحدث الرسمي والمشرف الإعلامي على سلطات الأمم المتحدة في كوسوفو. وفي يونيو الماضي قام هاسلوك بوضع مسودة اقتراح تهدف إلى تنظيم الأنشطة الصحافية من خلال هيئة سماها المسؤولون هنا بـ«لجنة الشكاوي».

وستفرض هذه الهيئة التي تضم صحافيين عقوبات مالية، ومن الممكن للمخالفين أن يستأنفوا ضد العقوبات المتخذة بحقهم. وهذا النظام شبيه بما هو سائد حاليا في كوسوفو. لكن هاسلوك الذي يزور بغداد منذ عدة أيام لم يكن متوفرا للتعليق.

ولا بد أن إنشاء شبكة إعلامية تابعة للدولة سيكون مثيرا للجدل، فـ«شبكة الإعلام العراقية» الممولة أميركيا هي الجنين الأولي للجهاز الإعلامي التابع للدولة مستقبلا وتمتلك حاليا محطتي راديو «أيه إم» و«إف إم» مع محطة تلفزيون قادرة على أن تصل على ثلثي مساكن العراقيين حاليا.

وتشرف «شركة تطبيقات العلوم» الأميركية حاليا على أنشطة «شبكة الإعلام العراقية» بعد أن تعاقد البنتاغون معها لتأسيس هذه الشبكة وتوفير المعدات لتطوير مرافقها.

وتبلغ ميزانية الشكبة حوالي ستة ملايين دولار شهريا. وتحاول الشبكة حاليا توسيع بثها كي يغطي كل العراق، ولإنشاء مدرسة تدريبية ومحطة أخبار تلفزيونية لأربع وعشرين ساعة. وهناك مخططات لزيادة القدرات التقنية لهذه الشبكة كي تتنافس مع المحطات العربية الأخرى، وفي النهاية فمن المنتظر ان تتمكن من بث برامجها عبر الأقمار الصناعية.

وقال المسؤولون الأميركيون عن هذا المشروع إنهم يريدون أن يصيغوا «شبكة الإعلام العراقية» على شاكلة الـ«بي بي سي» أو على شاكلة الوكالات الإعلامية العامة التي تحصل على التمويل من خلال الحكومة لكنها تمتلك استقلاليتها. وإذا اتبعت «شبكة الإعلام العراقية» هذا النموذج فإنها ستكسر تقليدا ليس فقط في العراق بل في العالم العربي كله حيث يكون الإعلام الممول من الدولة واقعا تحت سيطرتها المشددة.

لكن العاملين في «شبكة الإعلام العراقية» يقفون تحت النيران القادمة من طلبات متعارضة. فالسلطات الأميركية هنا تحاول أن تقدم الجانب الإيجابي للاحتلال العسكري المحاط بمشاكل من نوع إعادة تشغيل المرافق الصحية والأنشطة الاقتصادية في العراق إضافة إلى استمرار الهجمات ضد القوات الأميركية.

من جانب آخر يبدو أن العراقيين معتادون على التوافق مع سيطرة الحكومة على الإعلام وهذا ما يجعلهم مقتنعين بدون أي نقاش بأن «شبكة الإعلام العراقية» ليست سوى لسان حال قوات التحالف في العراق. فلبعض الناس تذكِّر زيارات بريمر التفتيشية الطويلة للمدن العراقية وتصريحاته العلنية بالنظام الإعلامي الجامد الذي كان سائدا في زمن حكومة صدام حسين السابقة.

قال سائق الشاحنة مصطفى سلمان الذي كان يبحث عن هوائي خاص بالقنوات الفضائية «أنا أنظر إليها وأقول هذا ما تريد السلطة أن نعرفه. إنها تنتمي لهم. لذلك فأنا لا أتوقع أي شيء مختلف منها». أما ريما القادري فقالت «حينما أشاهد بريمر وهو يتجول مصافحا الناس على شاشة التلفزيون أتذكر صدام. ما الذي تغير؟».

من جانب آخر، قالت شميم رسام العراقية الأميركية التي تدير إذاعتي الـ «إف إم» و«أيه إم» التابعتين لـ«شبكة الإعلام العراقية» إضافة إلى نشرات الأخبار في محطة «أيه إم» «انه شعب عاطفي مع تركة عمرها 30 عاما من الاستبداد. هل أنا أريد أن أحرض الشارع؟ لا. نحن حريصون على تجنب ذلك». وأضافت رسام: «لذلك نحن إذا أردنا أن نقدم تقريرا عن البطالة فنقوم في الوقت نفسه بمناقشة الحلول».

وكانت رسام إعلامية معروفة في وزارة الإعلام العراقية قبل خروجها إلى المنفى سنة1990 وقالت مديرة المحطتين الإذاعيتين: «إذا قال شخص ما إن الوحدات الأميركية يجب ألا تكون في منطقته فنحن سنسأله ما البديل لذلك».

وقال مصطفى الكاظمي صحافي الأخبار في تلفزيون «شبكة الإعلام العراقية» إنه سيكون مترددا في نشر رسالة من صدام حسين أو اذا تبجح شخص ما انه قتل أميركيا «هذه دعوات صعبة بالنسبة لنا».

وقال هو ورسّام إنه من واجب شبكة الإعلام العراقية أن تبث البيانات الصادرة عن قوات الاحتلال لكنهما أصرا على أن شبكة الإعلام العراقية ليست لسان حال هذه القوات.

وفي بعض المناسبات، سعت هذه الشبكة إثبات العكس. ففي يوليو الماضي حينما قتل الجنود الأميركيون ابني صدام حسين وحفيده البالغ 14 سنة لم تنشر محطة التلفزيون التابعة لشبكة الإعلام العراقية النبأ لعدة ساعات مخافة أن تعتَبر تأكيدا رسميا للخبر.

فبدلا من ذلك قرأ جورج منصور مدير المحطة التلفزيونية بيانا مكتوبا عن مقتل عدي وقصي واستند في نقل الخبر إلى وكالات أنباء أخرى. وقال منصور إنه يحاول إقناع مراسليه أن يكونوا أكثر جرأة وصراحة في تغطيتهم لمشاكل سلطات الاحتلال «سيسألون: هل يمكننا أن نظهر وجوه الاميركيين القتلى؟ وأنا أخبرهم بأن علينا أن نكون صادقين بغضّ النظر إذا كان بريمر سيجنّ أم لا».

ويبدو أن بعض المراسلين ميالون إلى فرض مراقبة ذاتية على تقاريرهم. فحينما أسقطت طائرة هليكوبتر أميركية علما دينيا معلقا فوق برج للمواصلات في بغداد ودفع بعض السكان الشيعة في تلك المنطقة إلى القيام بأعمال احتجاج عنيفة، قرر حيدر الكاظمي مراسل شبكة الإعلام العراقية عدم تغطية الشجار الذي وقع على أثره. وقال الكاظمي في إشارة إلى الشيعة الذين قذفوا الحجارة على الجنود الأميركيين «نحن لن نساند المخربين. نحن لن نقوم بتضخيم الأمور أكثر من حجمها الطبيعي».

من جانب آخر، غطت قناتا «الجزيرة» و«العربية» الفضائيتان الحادث بالتفصيل. مع ذلك اعتبر الكاظمي قراره صائبا في الظروف المتقلبة للمدينة. وقال إن «الجزيرة» و«العربية» منحازتان ضد الاحتلال الأميركي. هما «تريدان أن تضغطا على الأميركيين دائما. نحن نعرف الوضع أفضل منهما. نحن نتعامل مع الواقع هنا».

ومع تزايد التنافس من «الجزيرة» و«العربية» إضافة إلى المحطات القادمة من إيران دفع المنتقدون للاستنتاج إلى أن «شبكة الإعلام العراقية» بدأت تفقد المعركة الدعائية.

وقال أحمد الركابي الذي كان مديرا لشبكة الإعلام العراقية وحل محله منصور في مؤتمر صحافي بلندن إن نقص المصادر المالية أدى إلى أن الوكالة «لم تنجح حقا في مواجهة الحرب الدعائية لشبكات معادية لقوات التحالف مثل محطتي الجزيرة والعربية».

وأضاف أن المشرفين الأميركيين على شبكة الإعلام العراقية يعتبرونها تابعة لسلطات الاحتلال وليست مؤسسة مستقلة.

لكن المسؤولين الأميركيين يختلفون مع هذا الرأي فهم لا يرون أن هدف شبكة الإعلام العراقية هو انتاج مادة دعائية بل لكي تبث «المعلومات الحقيقية والموثقة»، حسبما قال دان سينور المتحدث باسم قوات الاحتلال. وأضاف أنه «ليس من المفترض أن تكون شبكة الإعلام العراقية مهيمنة على الإعلام في العراق، بل هي واحدة من عدة أصوات. نحن لم نكن نرى أن أهدافنا هي أن تبنى حول حرب دعائية».

وقال منصور الذي قضى سنوات كثيرة في المنفى بكندا إنه يؤمن بقدرة شبكة الإعلام العراقية أن تكسب معركة المعلومات مع «الجزيرة» و«العربية» لأن الكثير من العراقيين يشعرون أن هاتين المحطتين ظلتا متواطئتين مع نظام صدام حسين وظلتا «تهملان معاناة الشعب العراقي».

وأضاف: «نحن سنكون في وضع جيد إذا تمكنا من تقديم صورة حقيقية عن العراق. نحن لا نستطيع التنافس معهما من الناحية التقنية لكن امتيازنا يكمن في أن الشعب العراقي لا يثق بهما».