Skip links

عذراً عودة أبو تايه فهذا حال التلفزيون

في ربيع عام 2008 دعوت من قبل أمانة عمان ووزارة التنمية السياسية لحضور ندوة عن الهوية الوطنية ، وبعد أن استمعت لأحدى الورقات التي قرأها جرير مرقة وكان وقتها مديرا للتلفزيون بالوكالة قدمت مداخلة أشرت بها إلى التقصير الهائل بتهميش تعريف المشاهد الأردني خاصة والعربي عامة بالشخصيات الأردنية ما قبل وأثناء الثورة العربية الكبرى الذين نفاجأ كلما قرانا عنهم، وعن جهادهم لحماية عروبة الأرض وحماية فلسطين، فكثير منا يجهل تاريخ قلعة الكرك وصهيل فرسان البادية ، ولا يعرفون بطولات عودة أبو تايه ، والشجاعة القليل نظيرها للبطل الشهيد كايد مفلح العبيدات الذي قاوم بفرسه طائرات الإنجليز لحماية أرض الإسراء من دنس المستعمرات في عام 1920 ، ولا تعلم أجيالنا عن مشانق قلعة الكرك التي حرمتنا من رقاب الرجال الذين قاموا بكل بسالة كل من دخل حماهم ورجولة نادرة في زمن التحدي لإبراهيم الضمور الذي شاهد اعادام ولديه لأنه أوى إبراهيم الأحمد –جد عزام الأحمد- أو عن رفيقه وإسماعيل المجالي الذين ضحوا وأبناء الكرك بأبنائهم وأموالهم من أجل الدفاع عن الحمى ، وعن نشميات الكفاح الكركي الأسيرتان مشخص المجالي و رحم بندر أم حابس المجالي .

 بينما تتباهى باقي الفضائيات بمقاومتهم للأتراك والفرنسيين حتى سمعت من فتاة جامعية ما أبكاني وهي تخبرني بأن السوريين هم أبطال الثورة العربية الكبرى وحدهم ، فمع قلة القراءة صار التلفاز هو المصدر الأهم للتثقيف وصاحبتنا من اللواتي تأثرن بالمسلسلات السورية .

من المؤكد أن عدم عرض مسلسل عودة أبو تايه والذي اعتزل مؤلفه محمود الزيود أشهر طويلة ليعرض اليسير من تاريخ وطنه ويعلمه لمن لم يعد يطالع سوى التلفاز سيما أن المشاهدين للشاشة في رمضان أضعاف الأشهر الأخرى ، فقد كان بامكاننا أن نغرس في عيون المشاهدين صورا من بطولات تاريخا الذي يحاول الكثيرون التآمر عليه ونفسه وتشويه صوره .

 كنت قبل هذا الشهر الكريم قد اتجهت لقراءة بعض كتب المؤرخ سليمان الموسى وبدأت أتعرف على تلك الصور المشرقة التي بذلها أجدادنا وحجم التضحيات وأصبت بنكسة عندما علمت أن سأشاهد بطولة أبو تايه في صحراء الأردن على فضائيات أخرى، وضحكت وأنا أتذكر ما تحدث به مدير التلفزيون عن الهوية الوطنية ، بينما يصر على دفع مبالغ مادية هائلة لعرض مسلسل أسمهان ، فهل تاريخ فريد الأطرش وأخته أهم من عودة أبو تايه وبطولة عشائرنا في حكاية الصحراء التي شهدتها رمال رم وأرض بلاط التلفاز أن يشهد له .

أي سخرية هذه ونحن نضطر لمشاهدة آلاف الدنانير تتدفق لمتسابق في برنامج رمضان معنا احلى لأن سعادة المتسابق وصل لثقافة ومتابعة هائلة فقد أجاب بأن سورة البقرة أكبر سورة في القرآن تخيلوا الإجابة الصعبة ، ولم يكتف التلفزيون بهذا بل بعد كل هذا التطور في إشكاليات التقنية التي قلبت المجتمع الأردني عجز التلفزيون بأن يقدم برنامجا كوميديا يبتكر فكرة أعمق من حارة "ابو عواد وقصص نجوحتي وأبو الخل " والله خسارة ما يحدث وجعل التلفزيون طاردا للمشاهد وليس جاذبا وكيف نقتنع بتلفزيون يرفض أن يدافع عن هويتنا ويهتم بتاريخ مطربة ويهمش تاريخ رجل بحجم عودة أبو تايه ، وبدل من إظهار شجاعة البادية في رفض الخوازيق والسفر برلك عرضت البادية المشوهة في مسلسل عيون عليا .

أريد أن اربط الفقرات السابقة واللاحقة بالتعريج على برنامج كوميدي ناقد وساخر اسمه بقعة ضوء من إنتاج الأشقاء السوريين ، وكل من يشاهد هذا البرنامج يشهد له بجراءة الطرح وإبداع الفقرات المطروحة التي تبكيك تارة وتضحكك تارة أخرى . هذا البرنامج أعتمد على كاتب فقرة وليس كاتب مسلسل وهو خير بديل للكوميديا السورية مرايا للمبدع ياسر العظمة. كأن بإمكان التلفزيون الأردني أن يجتمع بأحمد الزعبي ، ويوسف غشيان ومحمد طمليه وكامل نصيرات ، بل ومئات من الكتاب الأردنيين الذين لديهم مقالات وفقرات ساخرة ويخرج مسلسلا كوميديا يفوق بقعة ضوء ولكنه للأسف يرفض أن تكون له برامج ذات طعم أردني تعوض بعد المواطن الأردني عن قراءة الصحف والكتب والتاريخ .

ومع ذلك فما يطرح البرنامج من نقد يشعرنا بالاستغراب لما نعهد الشقيقة من سوريا من ضبط ، ولكننا نأسف عندما نقرأ في الصحف والمواقع أن مدير التلفزيون يوقف مذيعا كنا نؤخر خروجنا من البيت لانتظار صلاة العصر كي نشاهد برنامج دليل المستهلك الذي أبدع به المذيع عبد الوهاب طراونة وجعل المشاهد يفرح بان التلفزيون الأردني معه 100% . ولكنه أوقف مثلما أوقف من قبله عودة أبو تايه والممثلين الأردنيين … ونحن ندفع دينارا في كل شهر كي نسمع لمهازل المسابقات وتاريخ المرحومة أسمهان وها أن اصرخ مثلما صرخ أبو عواد ..شي غاد .