Skip links

عناد الصحافيين

الإضراب الواسع الذي شنه الصحافيون الباكستانيون قبل يومين احتجاجا علي سوء المعاملة والاهانات التي لقوها من قبل رجال الأمن أثناء تغطيتهم للاشتباكات بين المحامين ورجال الشرطة تثبت أنه بإمكان الصحافيين، حين يتحدون وينسون تنافسهم وحساباتهم الشخصية، أن تكون لهم كلمتهم المسموعة المدوية التي تفوق أحيانا كلمة الذين أمضوا سنوات طوال لإيصال أصواتهم المختلفة إلي الرأي العام.

الصحافيون الباكستانيون لم يكتفوا في تحركهم الاحتجاجي في الساحة الرئيسية للبرلمان في إسلام أباد وفي مدينتي روالبندي وبيشاور بالتنديد بما لحق بأكثر من ثلاثين منهم من جروح إثر الاعتداء عليهم بالضرب والمطالبة بمعاقبة المتسببين في ذلك وإنما أيضا قرروا الامتناع عن تغطية النشاط الحكومي بمختلف أشكاله. هذا الشكل النضالي الأخير، وإن كان ليوم واحد لا غير، يقدم في الواقع نموذجا قد يكون مؤثرا أكثر من غيره في الإعراب عن الغضب إذ ما قيمة كل ما يقوم به المسؤولون من لقاءات واجتماعات وما يطلقونه من تصريحات إذا لم تصل أخبارها إلي عموم الناس عبر وسائل الإعلام المختلفة، مما يعني عمليا مسحا لها من الوجود وكأنها لم تكن أصلا.

في كل المحطات التي تعرف توترا في العلاقة بين السلطة والمعارضة، أو بينها وبين أي جزء من المجتمع في أي بلد، تري الصحافة والصحافيين وقد حشروا في الغالب بين طرفي صراع، كل منهما يريد جذبه لصفه، والحياد أو التوازن في هذه الحالة كثيرا ما يعني لأحدهما تعاطفا مع الآخر، مما حدا بأحد الصحافيين الباكستانيين إلي القول صراحة إن هناك صراعا الآن بين السلطة والبلد بشكل عام وأنه يتعين علي الصحافيين في هذه الحال موالاة البلد وليس الرئيس، حتي لو كان عسكريا كمشرف.

وفي مصر هذه الأيام وضع مشابه حيث حكم علي ثلاثة صحافيين بالسجن لمدة عامين مع النفاذ لإدانتهم بــ النيل من هيبة القضاء وذلك بعد أيام قليلة من الحكم علي أربعة صحافيين آخرين بالسجن لمدة عام بتهمة الإضرار بالمصلحة العامة فيما بدأت أول أمس الاثنين محاكمة أخري لأحدهم، وهو إبراهيم عيسي رئيس تحرير صحيفة الدستور المستقلة، بتهمة ترويج إشاعات عن صحة الرئيس حسني مبارك.

استسهال ضرب الصحافة أو التضييق عليها في معظم الأزمات السياسية الداخلية مرادف لشعور السلطة بالضعف والتوتر لأنها تكون وقتها كما يقول المثل الشعبي الشائع أشبه بمن يحمل بطيخة علي رأسه يتلمسها باستمرار فالتنكيد علي من روج خبرا أو عبر عن رأي لا ينفي الخبر ولا يعدم الرأي بل بالعكس سيعطي مصداقية لكليهما حتي وإن كان الخبر غير دقيق والرأي غير مدعم. لقد أثبتت عشرات التجارب أن ما من سلطة دخلت في مواجهة مع الصحافة والصحافيين إلا وخرجت منها منهكة ومكشوفة أكثر من قبل، فما من سياسي حصيف يفعلها لأن خسائر هكذا مواجهة تتجاوز بكثير أية مكاسب إن وجدت. ليس معني ذلك أن الصحافة منزهة عن الأخطاء أو أن الصحافيين معصومون ولكن المعالجة الهادئة لأي تجاوز لا تكون لا بالعصي في الساحات العامة ولا بالمحاكمات المرتجلة في ساحات القضاء. نفس التجارب السابقة أكدت أن الصحافة والصحافيين كثيرا ما يخرجون منتصرين بعد كل محاولة تكميم أو تدجين بحيث سيتعذر علي صاحب القرار أن يتجرأ ويفعلها ثانية عندما يتذكر حجم الضجة التي أثارتها المواجهة السابقة خاصة وقد بات جلها يعرف تدخلا لمنظمات دولية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان قادرة علي إثارة الكثير من الجلبة التي تزيد في تشويه السلطة نظرا لما تتمتع به هذه المنظمات من مصداقية وشبكة علاقات دولية مترامية. ومع ذلك نجد من لا يتورع عن ارتكاب حماقة مواجهة الصحافة سواء في باكستان أو مصر وغيرهما كثير.