Skip links

غزة.. إعدام خبر!

من يسيطر على الميديا ، يصنع الخبر. وفي تعبير
صحفي قديم كان يقال لنا ونحن طلاب الصحافة في أميركا: "اقتل القصة" أو "خوزقها":
لأن الخبر المطبوع على وريقات كان يعدم في حال رفض نشره بطريقة بدائية وذلك
بخوزقته يدويا عبر مسمار معدني طويل موضوع على طاولة المحرر المسؤول ويسمى
بالانجليزية "سبايك". كان ذلك قبل عهد الانترنت والاتصالات الرقمية
والفضائيات والنقل الحي والمباشر. انتهى السبايك لكن وأد القصة الخبرية لم ينته.

وفي غرف التحرير في الصحف والاذاعات ومحطات
التلفزة تعيش القصص الإخبارية أو تعدم بحسب نظرة المحرر غير الموضوعية في معظم
الأحيان ، وهو ما يسمى عادة بالسياسة التحريرية ، وهي شكل من اشكال السياسة على
اية حال. قبل أيام كانت قناة الجزيرة تبث صورا مروعة لما يجري في غزة وتنقل مباشرة
احداث الغزو الهمجي الاسرائيلي في جباليا وغيرها من مخيمات وقرى القطاع. لكن محطات
التلفزة الاخرى لم تعط ذلك الحدث ذات الاهمية ، بل ان بعضها تجاهله كليا. وعلى
فضائيتي "السي.ان.ان" و"البي.بي.سي" تابع المشاهدون نقلا حيا
ومباشرا لمجريات وصول طائرة عسكرية الى قاعدة بريطانية تقل جنودا عائدين من
افغانستان وعلى رأسهم الامير هاري ، الجندي الملكي كما يلقب الآن. كانت تلك نقطة
فاصلة في تفضيل خبر على آخر ، وفي صناعة خبر وتضخيم آثاره ، ومحو آخر من الوجود.

 

بالنسبة لهذه الفضائيات لم تستحق جرائم إسرائيل
في غزة أن تتصدر نشرة الأخبار ، وبدا وكأن صحف العالم ومحطات تلفزته اتفقت في ما
يشكل تواطؤا مخجلا أن تدفع بذلك الخبر إلى الخلف ، أو أن تدفنه حيا. فبعد تغطية
تفاصيل وصول الأمير هاري الى بريطانيا انتقلت السي.ان.ان الى أخبار الانتخابات
الروسية فالعراق ثم باكستان لتصل أخيرا إلى قضية "العملية" العسكرية
الإسرائيلية في غزة.

 

لم تكلف المحطة الأميركية نفسها عناء إرسال مندوب
إلى غزة فانتقلت مباشرة إلى مراسلتها في القدس الغربية التي أفادت بأن إسرائيل
عازمة على وقف إطلاق الصواريخ من غزة ، وانها تنفذ منذ الصباح عملية عسكرية في
شمال القطاع ضد مسلحي حماس ، وانه كما يقول الفلسطينيون فقد سقط ما لا يقل عن
عشرين ضحية بينهم أطفال. ثم انتهى الخبر ، لتبدأ الفقرة الاقتصادية، ولم تكن تغطية
فضائية "بي.بي.سي" بأفضل من ذلك.

 

كان هناك شبه تعتيم على ما يجري ، ولولا "الجزيرة"
لما شاهدنا آثار القصف الهمجي وأشلاء القتلى وجثث الأطفال وهدم المنازل ومعاناة
المدنيين. إنها سوريالية إعلامية تتماهى مع المواقف السياسية الرسمية. وحتى كبرى
الصحف الأجنبية حرصت من خلال مواقعها الالكترونية على تهميش ما يحدث في غزة ،
وتعاملت معه كخبر عادي بل وتبنى بعضها الموقف الإسرائيلي. قيل لنا ونحن طلاب في
كلية الصحافة انه من السهل أن ترسل مندوبا ليغطي خبرا ، لكن التحدي هو في تقديم
ذلك الخبر للمستهلك، ونحن جالسون أمام شاشة التلفاز فلنتذكر أننا مستهلكون للخبر
كما نستهلك الطعام والدواء ، وان ما نرى ونسمع ونقرأ حتى لو كان حيا ومباشرا وعلى
الهواء فانه لا يأتينا دون تحرير وتدقيق وتنميق. وقبل أكثر من ثلاثين عاما قال
عالم الاتصال الكندي مارشال ماكلوهان إن وسيلة الاتصال أو الإعلام أضحت هي الرسالة
أو المضمون. قلنا إن من يسيطر على الميديا يصنع الخبر وبالتالي فانه يشكل الرأي
العام ويعطي السياسيين وقتا ومساحة للتحرك في غفلة عن العالم. إن غرف الأخبار في
الصحف والفضائيات والمواقع الالكترونية ليست أجهزة ومعدات فحسب ، لكنها في الأساس
بشر من لحم ودم ومواقف مسبقة ، ومدير الأخبار أو رئيس التحرير لا يمكن أن يكون
موضوعيا في كل شيء ، وبالتالي فان من حق إسرائيل أيضا ان تتهم "الجزيرة"
بانها غير موضوعية. ان الميديا سياسة والسياسة مصالح ولا فرق ان قضى عشرة أو ألف
في غزة إذا كان الموقف في غرفة التحرير منحازا لسياسة ما.