Skip links

كثرة الصحف ليست دليلا على حرية التعبير في العراق

أقدمت سلطات الاحتلال في العراق على إغلاق صحيفة ” الحوزة الناطقة ” لمدة ستين يوما بتهمة ” التحريض على العنف ” .
وجريدة الحوزة الناطقة تصدر عن المركز الإعلامي لمكتب الزعيم الديني الراحل محمد صادق الصدر وتعتبر ضمنيا لسان حال نجله الزعيم الديني الشاب مقتدى الصدر الذي يجاهر بمواقف معادية للاحتلال ويندد بإجراءات مجلس الحكم الانتقالي .
ويأتي قرار إغلاق صحيفة ” الحوزة ” ليلقي الضوء على حقيقة ما تدعيه سلطات الاحتلال وابواق الدعاية الأميركية من حرص على ضمان حرية الكلمة والتعبير ضمن العملية الديمقراطية التي لم يلمس العراقيون لها أثرا منذ احتلت القوات الأميركية والبريطانية بلادهم قبل اكثر من عام .
ومما لا يعرفه الكثيرون أن رئيس سلطة الاحتلال في العراق بول بريمر كان قد اصدر في شهر تموز الماضي قرارا عممه على المؤسسات الإعلامية يحذر فيه من نشر المواد التي تنتقد أداء قوى ” التحالف ” او تحرض على المقاومة او تؤدي إلى أضعاف النظام المدني الضروري لتنمية العراق .
وقد جاء في القرار المذكور انه ” يجوز للمدير الإداري للسلطة الائتلافية المؤقتة سحب ترخيص أي من المؤسسات الإعلامية العراقية المخالفة لهذا الأمر كما يجوز له تعطيل عملياتها ومصادرة ممتلكاتها وإغلاق مكاتبها ، ويعاقب مخالف هذا الأمر علاوة على ذلك بالحبس لمدة لا تزيد على سنة واحدة وبدفع غرامة مالية قيمتها آلف دولار أميركي .
واذا كان قرار بريمر قد طبق الآن بصورة ” نظامية ” على صحيفة ” الحوزة الناطقة ” بعد ان كان قد طبق على صحيفتين أخريين تم إغلاقهما بموجب القرار نفسه ، فان الصحافة التي تتصدى للاحتلال والكتاب الذين ينددون به يعرضون أنفسهم لعقوبات أخرى ” غير نظامية ” مثل الاغتيال الذي طال كتابا مثل الأستاذ الدكتور عبد اللطيف المياح عضو مجلس إدارة جريدة العرب التي تعرف نفسها بأنها ” منبر المعارضة الوطنية والديمقراطية للاحتلال ” .
ومن الجدير بالذكر ان صحيفة ” الحوزة الناطقة ” واحدة من قلة في بحر المد الصحفي الطاغي في العراق تتعرض بالانتقاد العلني لسلطات الاحتلال ومجلس الحكم .
وتشكل هي وصحف مثل ” العرب” لسان حال الحركة الاشتراكية العربية ،وصحيفة المشرق التي تصدر عن مؤسسة المشرق للاستثمارات الإعلامية جبهة ضيقة يمكن اعتبارها طليعة المعارضة في الصحافة العراقية .
وتشير أخر المعلومات المتوفرة إلى ان عدد الصحف التي تصدر حاليا في العاصمة العراقية وحدها يبلغ 126 صحيفة بين يومية وأسبوعية .
والانطباع الأول الذي يخرج به المرء من اطلاعه على هذه المعلومة ان كثرة عدد الصحف في عراق ما بعد صدام تمثل ردة فعل طبيعية لبلد زاخر بالآراء والكتاب فرض عليه ان يعيش منذ عام 1967 ” أي قبل استلام حزب البعث الحكم في العراق ” واقع الصحافة الحكومية المقننة التي تمثلت في ثلاث صحف تشترك في تكرار نفس الأخبار والصور ولا تنشر من الآراء إلا ما ينسجم إلى حد التطابق مع الرأي الحكومي مما حمل الجمهور العراقي على تسميتها بصحافة الزي الموحد .
كما اعتبر البعض أن هذه الكثرة الوفيرة من الصحف دلالة واضحة على ” ديمقراطية ” الوضع الجديد ما دامت التعددية تظل شرطا أساسيا من شروط الديمقراطية .
لكن تصفحا سريعا لما يصدر في بغداد من صحف يكفي القناع القارئ المعني بان التعددية في الصحافة العراقية الجديدة تعكس تعدد الانتماءات العرقية والمذهبية اكثر مما تعكس تعدد المواقف خصوصا فيما يتعلق بقضية العراق الأولى في الظرف الراهن وهي الاحتلال الأجنبي وطريقة مواجهته ، فاذا استثنينا الصحف التي سبقت الإشارة أليها فلن نجد من بين الصحف الأخرى من تلزم نفسها بقضية معارضة الاحتلال او توظف أقلام كتابها لمناقشته وفضحه ومقاومته ، فالاحتلال ونشاطاته لا يظهران في الصحف العراقية الا في صفحات الأخبار ويحاطان بكامل الموضوعية والتجرد وكأن تلك الأخبار تقع في بلاد ” واق واق ” ولا علاقة لها بواقع العراق المؤلم حيث يجد القارئ في صحيفة مثل صحيفة المدى التي يرأس تحريرها عضو المكتب السياسي السابق للحزب الشيوعي العراقي فخري كريم الخبر التالي عن إطلاق اسم الفرقة الأميركية 101 المحمولة جدا على الشارع الذي كان يحمل اسم ” الأندلس ” في الموصل تثمينا للدور الكبير الذي قامت به الفرقة المذكورة في مدينة الموصل .. كما يعي القارئ على الصفحة الأولى من صحيفة ” النهضة ” التي يرأس أدارتها عدنان الباجه جه على عنوان يقول : بوش وبلير يؤكدان ان البقاء في العراق حتى انتهاء مهمة بناء البلاد وإرساء الديمقراطية .
وأهم ما بلغت النظر في الصحافة العراقية الحالية خلوها التام من الإعلانات باستثناء صحيفة ” الصباح ” الصادرة عن شبكة الإعلام العراقي التي تمولها سلطة الاحتلال والتي تحفل بالإعلانات الرسمية واذا كانت بعض الأحزاب والتنظميات قادرة على تحمل نفقات إصدار صحف ناطقة باسمها دون الحاجة الى الإعلان فان مواصلة إصدار مثل هذه الصحف من قبل أشخاص او مؤسسات مستحدثة يعتبر اكثر من علامة استفهام ويفتح الباب لتوجيه اتهامات مثل تلك التي صدرت عن إدارة صحيفة ” العرب” البغدادية والتي جاء فيها ” ان العراق حاليا ” تغرقه أموال السحت الحرام والصحف الممولة من وكالة المخابرات المركزية الأميركية وجهات صهيونية وأثرياء عرب مشبوهين .