Skip links

كلام في مستقبل الصحافة الأردنية

هناك أزمة صامتة تعصف بالصحافة الأردنية وتلقي بظلال من القلق حول مستقبلها. فهي ومنذ سنوات تعاني من نزيف مزمن في احد أهم مواردها وهو الإنسان الذي بدونه لا تقوم صحيفة ولا يكون إعلام. وتنعكس آثار هذه الأزمة على مجمل المشهد الصحفي الأردني من حيث تدني المعايير والمهارات وافتقار المؤسسات الصحفية الى كفاءات شابة مهيأة لتسلم المسؤولية والانتقال بالصحافة الأردنية الى فلك جديد في ظل التطور السريع الذي تشهده الساحة الإعلامية العربية خاصة في ظل تأثير الفضائيات.
ولا يمكن الحديث عن حرية الصحافة والنشر ومنح الرخص لإصدار صحف وإطلاق محطات اذاعة وتلفزة بمنأى عن التفكير جديا بوسائل لتطوير وتأهيل الصحفيين من مراسلين ومحررين ومعلقين ومقدمي برامج. فالتحدي الحقيقي على الساحة الصحفية في الأردن لا يكمن فقط في تحرير القوانين ورفع سقف الحرية بل يجب ان يتزامن ذلك مع خطوات حقيقية تهدف الى وقف النزيف الذي يطيح بالكفاءات الصحفية وتدشين مراكز تدريب على مستوى عال لتأهيل الخريجين الجدد من كليات الصحافة والإعلام. فتقنيات الطباعة الحديثة لا تصنع لوحدها صحفا ومطبوعات مؤثرة، ووسائل الاتصال عالية التقنية لا تخرج الى الوجود فضائيات قادرة على المنافسة. وكما تستثمر الصحف الأردنية أموالا طائلة في أجهزة الطباعة و في البنى التحتية لا بد لها ان تفعل ذات الشيء مع مواردها البشرية.
لقد استنزفت الصحف الأردنية وغيرها من وسائل الإعلام الأخرى بشكل كبير خصوصا في عقد التسعينات فهاجرت مجموعة من أفضل الكفاءات من مراسلين ومحررين ومذيعين وغيرهم الى صحف وفضائيات الخليج ولم تتعاف الصحف الأردنية أبدا جراء هذا النزيف، وهي تعاني اليوم من تدني مستوى المهنيين وتضاؤل عددهم، والانكى من ذلك كله ان الكوادر الجديدة التي انضمت الى مختلف وسائل الإعلام الأردنية فشلت في تعويض النقص الذي حصل من حيث الكفاءة والخبرة وامتلاك المهارات الصحفية واللغوية وعمق المعرفة والتعامل مع التقنيات الحديثة.
ان الصحف اليومية باعتبارها الأوسع انتشارا والأقدر ماليا تتحمل مسؤولية كبيرة لعدم تصديها لظاهرة النزيف البشري الذي أصاب كوادرها المهنية المختلفة. فهي من ناحية تباطأت في الاعتراف بأن تدني الرواتب والمكافآت هو الذي دفع بالكثيرين من أصحاب الكفاءات لهجرة الأردن والالتحاق بوسائل الإعلام المقتدرة ماليا في الخليج. كما أخفقت المؤسسات الصحفية في الإقرار بأن استمرار النزيف البشري يشكل تحديا خطيرا لها ولتطورها في المستقبل. وخلال التسعينات اتيحت لي فرصة الاحتكاك المباشر مع العديد من الصحف والمطبوعات والفضائيات وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري التي انتشرت بسرعة في ابو ظبي ودبي والدوحة وكنت شاهدا على عملية اختطاف نوعي للكفاءات الصحفية الأردنية والتي تحظى باحترام وتقدير عميقين في منطقة الخليج. وبقدر ما يسعدني ان أرى صحفيين وصحفيات من الأردن على رأس اهم وسائل الإعلام هناك فأنني اشعر بالحزن لان ما كسبه إعلام الغير فقدناه نحن.
ان تأهيل وتدريب الجيل الجديد من الإعلاميين الأردنيين لن يحد من ظاهرة الاستنزاف المستفحلة حاليا اذا لم يواكب ذلك نهج جديد في الاستثمار في الموارد البشرية من قبل وسائل الاعلام الاردنية وبخاصة الصحف اليومية. والا فان المبرزين من الشباب والشابات من كتاب ومحررين وغيرهم سيغتنمون اول فرصة تسنح لهم للهجرة الى صحف وفضائيات الغير.
ولعل الاولى بالمؤسسات الصحفية ان تعترف بان ظاهرة عدم تفرغ الصحفي للمؤسسة التي يعمل بها والتوسع في سياسة التعيينات على حساب الكفاءة وتدني الرواتب والحوافز الأخرى ساهمت بشكل او بآخر في انخفاض مستوى الصحافة الأردنية التي تعيش على أمجاد الماضي وتنسى ان جمهورها يهاجر هو الآخر الى الفضائيات والصحف والمطبوعات العربية المتميزة التي تملأ ارفف الاكشاك والمكتبات ناهيك عن ما يجده هؤلاء في فضاء الانترنيت.
ان الصحافة مهنة نبيلة ورسالة سامية قبل ان تكون مشاريع تجارية ولذلك فمن المؤسف ان تستباح عندنا وان تنتهك تقاليدها وأعرافها وان تعاني صحفنا اليوم من ركاكة الخبر وعدم موضوعيته ومن السقطات اللغوية وان يكون كثير من صحفيي اليوم من الشباب أميين من حيث مهاراتهم التقنية والقدرة على تحرير خبر وكتابة عنوان رشيق والبحث والتمحيص قبل النشر. ولعلنا نسأل أنفسنا كصحفيين أردنيين: اين صحافة الاستقصاء في الأردن؟ واين التحقيق الصحفي الجريء الذي ينقل هموم الناس ويفرض تغييرا في السياسات؟ واين فن المقابلة والحوار الصحفي الماتع؟ واين »ديسك« التحرير الذي يضفي على الصحيفة أسلوبا شيقا ومميزا؟ ولماذا تظهر صحفنا باهتة وكئيبة وبروتوكولية في معالجتها للحدث اليومي اذا ما قورنت بصحف تصدر في الخليج والمهجر؟
ان تأهيل وتدريب الصحفيين مهمة تتحمل مسؤوليتها جهات عديدة كنقابة الصحفيين الأردنيين والمجلس الأعلى للإعلام والجامعات الأردنية الحكومية والخاصة اضافة الى المؤسسات الصحفية. ولايمكن لنا ان نتخيل مستقبلا أفضل للإعلام الأردني يكون فيه العامل البشري قاصرا حتى لو أشرعت الأبواب والنوافذ كلها وارتفع سقف الحرية أضعافا مضاعفة. فالحرية في الأساس هي الكلمة المسؤولة مقروءة كانت ام مسموعة وهي لا تأتي من فراغ وتتكون أولا في عقل مبدع متفتح بعيدا عن التعصب الأعمى والجهل والتبعية.
ان للصحافة تقاليد عريقة يجب ان تحترمها وتلتزم بها لكنها ايضا مهنة متجددة تتطلب من صاحبها ان لا يتوقف ابدا عن صقل مهاراته وتطويرها. وتخطىء المؤسسات الصحفية كثيرا ان ظنت انه بالامكان تعويض النقص الحاصل في الكفاءات والخبرات بسهولة في ظل ضعف واضح في مستوى المتقدمين للحصول على وظائف كصحفيين. ان استمرار الخلل الحالي ينذر بوضع كارثي في المستقبل القريب فكيف للصحف وغيرها ان تنمي وتطور مواردها البشرية اذا ما استمرت ظاهرة هجرة الخبرات والمهارات بشكلها الحالي؟
ان الحل يكمن في اقناع الجامعات الأردنية بفتح كليات للصحافة والاعلام واعتماد المؤسسات الصحفية العريقة معايير صارمة في التعيين من حيث المؤهلات والمهارات التي لا يمكن للصحفي ان يزاول المهنة من دونها ومن ثم صرف رواتب ومكافآت مجزية بحيث يقبل أفضل الشباب والشابات على العمل في حقل الصحافة والإعلام. ثم على المؤسسات الصحفية ان تلزم نفسها ببرامج تدريب وتأهيل مستمرة كنوع من الاستثمار في الموارد البشرية أسوة باستثمارها في آلات الطباعة ووسائل التوزيع والترويج.
ان مستقبل الصحافة الأردنية رهن بظهور جيل جديد من الصحفيين المؤهلين والموهوبين والمتفرغين لهذه المهنة والذين تكفل لهم مهنتهم في بلدهم العيش الكريم ليكملوا مسيرة الأجيال السابقة التي أسست وبنت صروحا باتت اليوم تعيش أزمة تنذر بكارثة اذا ما تم تجاهلها ولم يتم التعامل معها بجدية من قبل المؤسسات والأجهزة المعنية بتطور الإعلام الأردني.