Skip links

محمد طمليه الذي لم يكن حاضراً

كنت قد عدت لتوي من زيارته في غرفة العناية الحثيثة بمدينة الحسين الطبية. لم يكن حاضراً لاستقبالي كان غارقاً في غيبوبته خلف جسد هزيل منهك من معركة قاسية وطويلة لم تنته بعد مع مرض السرطان الذي بدأ بلسانه ثم تسلل بعناد الى دماغه وباقي جسده.

عرفت وانا ابتعد عنه لماذا كان يطلب مني ان لا أزوره خلال تلك الايام التي يتناول فيها العلاج الكيماوي. قال لي ( لا احب ان يزورني احد وأنا ضعيف فيشعر بالشفقة). لكن الشفقة كانت ابعد ما تكون عن مشاعري امس وانا اقف امام جسده المريض وغيبوبته العميقة, لم اشاهد امامي سوى ما يرمز اليه كانسان مبدع قل نظيره في الساحة الثقافية والاعلامية, الاردنية والعربية. مقال محمد طمليه اليومي في »العرب اليوم« لم يكن عادياً, ومقالاته التي سجل فيها يوميات مرضه قمة في الابداع الانساني.

وبين السطور القليلة التي كان يحرص على كتابتها الى قرّائه ومحبيه, كان هناك مخزون هائل من مشاعر النفس الانسانية التي تتجلى وسط الصراع مع المرض والموت, وعن سابق اصرار ووعي بالامساك بالحياة, فاذا بإرادة الانسان تشتد في صلابتها ويقوى عودها في المواجهة, متفوقة على نحول الجسد وقسوة الاوجاع والآلام والمعاناة.

 

منذ بداية مرضه قبل ثلاثة اعوام كان يتسلل مبكرا الى الجريدة, بين كل وجبة علاج كيماوي واخرى, قادما من غرفته في مستشفى المدينة الطبية ومستشفى الحسين للسرطان, ليزور زملاءه واصدقاءه, عاكساً الآية, حتى لا يذهبوا الى زيارته. ومرة اصطحب معه طفلا يعالج بالسرطان جاء به على كتفه وهو عاري الرأس خال من الشعر تماما, وكأنه في حملة توعية اعلامية ليقول لنا نحن الاصحاء: المرضى ايضاً ينتظرون النهار وهم مثل غيرهم يستقبلون الشمس والحياة والناس.

 

قبل رمضان, وجدته صباحاً يخرج من الجريدة, فبادرني مبتسماً وهو يقول ( الليلة الماضية كنت اشعر بانها الاخيرة في عمري. لكن ها أنا, لا زلت حيّاً). ثم اسرع قبل ان ينهي كلماته وكأني به لم يعد يملك من الوقت ما يسمح له بهدر الفرصة بان يمشي في الاسواق وان يفكر في موضوع مقالته لليوم التالي, كان ذلك غايته ومحور حياته.

 

لم يعشق شيئاً اكثر من الكتابة في زاويته اليومية. في الاشهر الاولى من مرضه انهالت عليه تعليقات القراء تدعوه الى التحلي بالشجاعة والصبر في مواجهة المرض والتغلب عليه, وقد اعجبه ذلك, فحول يومياته مع المرض الى قضية يشاركه فيها قراؤه ويحرص على اطلاعهم على التفاصيل, من تعابير وجه الممرضة الى »القزعة« من لسانه في المختبر, وهذا سر ابداعه الذي مكّنه من قطع المسافة الفاصلة بين الكاتب الحقيقي والكاتب المزيف, بين المشاعر النابعة من عظمة النفس الانسانية ومعاناتها وتجربتها الحيّة وبين تلك الغارقة في الكذب والرياء والزيف.

 

اكثر ما يؤلمه ان يتوقف عن الكتابة, ولعل القراء لاحظوا في الآونة الاخيرة نشر عدد من المقالات من ارشيفه, كان هذا بطلب منه, وكان هو من يختار للنشر. واليوم, حيث انه لم يعد – محمد طمليه – قادرا على الكتابة او الاختيار رأيت ان اكتب عنه ما كتبت لكي اضع امام قرائه تفسيراً لغياب مقالته. ولكي ادعو محبيه جميعاً الى الدعاء له بالشفاء في امر لا حول لنا فيه او شأن. كما لا اخفي مشاعري بعد زيارته وتفكيري الذي لم يتوقف بمصائرنا كبشر. والخلاصة التي تمثلت لي هي ان جسد الانسان ليس الا مجرد قناع, وصورة ساخرة, لحياة يكون فيها البقاء للكلمات, او ما يكتبه المرء ويفعله من تراث وابداع, يتناقله الناس والاجيال, فهذا كل ما يقنعنا بان الحياة ليست عبثاً.