Skip links

مصر: خلط الإعلان بالتحرير يشكل 55% من مخالفات الصحف

يُحْدِثُ نشر الإعلانات بالصحف على أنها مادة تحريرية، تشويشاً لدى القارئ، وعدم قدرة على التمييز بين المادة المنشورة في الصحف للتسويق لسلعة أو لمسؤول أو حتى لدولة أخرى، وبين هدف الصحافي الأسمى، وهو البحث عن الحقيقة وتحري الدقة في النشر.. والإعلان الذي يُنشر في شكل خبر أو تقرير أو حتى تحقيق صحافي، يدفع القارئ للتعامل مع المحتوى الإعلاني، ذي الهدف الترويجي للسلع، بهدف الربح، على أنه نص صحافي، وذلك، كما يقول المجلس الأعلى للصحافة في مصر.. «استغلالاً لميل عدد كبير من القراء لتصديق ما تنشره الصحف».
وعلى الرغم من أن ميثاق الشرف الصحافي، بنقابة الصحافيين المصريين، ينص على أن يلتزم المسؤولون عن النشر بالفصل الواضح بين المواد التحريرية والإعلانية، وعدم تجاوز النسبة المتعارف عليها دوليا للمساحة الإعلانية في الصحيفة على حساب المادة التحريرية، إلا أن تقارير شبه رسمية وحقوقية صدرت خلال أقل من أسبوع تضمنت العديد من المخالفات التي جرى فيها خلط المادة الإعلانية بالتحريرية. وخلال الأيام الماضية صدر تقرير عن المجلس الأعلى للصحافة في مصر، وهو مجلس شبه رسمي يتبع مجلس الشورى (المجلس الثاني في البرلمان) ويرأسه صفوت الشريف، الأمين العام للحزب الوطني الديمقراطي (الحاكم)، تضمَّن انتقادات شديدة اللهجة، بسبب استمرار عدم تمييز غالبية الصحف القومية (الحكومية) والخاصة والحزبية بين الإعلان والمادة الصحافية، إذ نبَّه تقرير المجلس الهيئات المعنية بالشأن الصحافي في مصر إلى «خطورة هذه الممارسة على مصداقية الصحف وعلى الأداء الصحافي»، مشيراً إلى أن نسبة خلط الإعلان المدفوع الأجر بالمادة التحريرية في الصحف المصرية وصلت إلى مستويات قياسية، بتجاوزها نسبة الـ 55% من إجمالي الملاحظات التي رصدها المجلس الأعلى للصحافة في العام المنصرم. وقال التقرير إن هناك حالة مزمنة من استسهال عملية تكرار الخروج على ميثاق الشرف الصحافي فيما يخص ظاهرة عدم مراعاة آداب نشر الإعلانات في الصحف المصرية، وأن هذا الأمر.. «يتكرر بنسبة متقاربة عبر مختلف الشهور خاصة تجاهل (تلك الصحف) الحدود الفاصلة بين النص التحريري وبين النص الإعلاني في الممارسة الصحافية، ما يحدث تشويشاً لدى القارئ ويدفعه للتعامل مع المحتوى الإعلاني ذي الهدف الترويجي للسلع والخدمات على أنه نص صحافي استغلالاً لميل عدد كبير من القراء لتصديق ما تنشره الصحف». وتابع تقرير المجلس الأعلى للصحافة قائلاً إن عدم مراعاة آداب نشر الإعلان احتلت الفئة الأولى من الملاحظات التي رصدها في الصحف المصرية في العام محل التقرير، إذ بلغ عدد الملاحظات 8283 بنسبة 55.12% من إجمالي الملاحظات التي تنوعت بين عدم توثيق المعلومات وعدم مراعاة الآداب العامة والذوق العام وعدم مراعاة آداب نشر الجريمة، وغيرها.. وأشار التقرير أيضاً إلى أن عدد مرات عدم مراعاة آداب نشر الإعلان بلغت ذروتها في شهري أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) من العام الماضي حيث وصلت إلى 1341 ملاحظة بنسبة 16.19% من إجمالي الملاحظات.. ووصلت إلى أقل مستوياتها في شهر أكتوبر (تشرين) من العام الماضي بعدد 698 ملاحظة بنسبة 8.43%. وسجل التقرير خلال شهر ديسمبر (كانون أول) الماضي 471 ملاحظة ارتكبتها الصحف اليومية القومية، تتعلق بعدم مراعاة آداب نشر الإعلان، وذلك بنسبة 77.1%، منها 247 ملاحظة لجريدة «الأهرام»، و97 لجريدة «الأخبار»، و50 لجريدة «الجمهورية»، و34 لجريدة «روزاليوسف» و36 لجريدة «المساء» و7 لجريدة «الأهرام المسائي».. وذلك في مقابل 181 ملاحظة عن ذات الموضوع للصحف الخاصة (معظمها أسبوعي) بنسبة 69.3%، منها 46 ملاحظة لجريدة «النبأ الوطني» و55 لجريدة «صوت الأمة»، و30 لجريدة «الأسبوع»، 22 لجريدة «الفجر»، و3 ملاحظات للصحف الحزبية (معظمها أسبوعية) بنسبة 5.9%، تخص جميعها جريدة «الوفد» اليومية.
وفي ذات التوقيت تقريباً رصدت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان قيام 8 صحف مصرية شبه حكومية ومعارضة وخاصة بنشر مواد إعلانية دعائية مدفوعة الأجر على أنها مواد إعلامية، عن دول لا تلتزم حقوق الإنسان باعتبارها دولا ديمقراطية، قائلة إن تلك الطريقة في النشر تؤدي لتضليل القارئ، و«تجميل صورة الديكتاتورية»، معتبرة ذلك «جريمة سياسية»، ومخالفة للمادة 31 من قانون تنظيم الصحافة بمصر، والذي يمنع الخلط بين الإعلان والتحرير.
وقال جمال عيد، المدير التنفيذي للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، إنه ليس ضد الإعلان.. «لكن يجب فصله عن المادة التحريرية، بشكل يجعل القارئ يعرف أنه إعلان مدفوع الأجر»، موضحاً أن شبكته قامت بإرسال خطابات إلى الصحف التي وردت بالتقرير قبل أشهر لكنها لم تتلق منها رداً أو توضيحاً حول السبب الذي يجعلها تخلط الإعلان بالتحرير. وينص ميثاق الشرف الصحافي على أن لا يجوز للصحافي العمل في جلب الإعلانات أو تحريرها ولا يجوز له الحصول على أي مكافأة أو ميزة مباشرة أو غير مباشرة عن مراجعة أو تحرير أو نشر الإعلانا`ت وليس له أن يوقع باسمه مادة إعلانية. كما لا يجيز ميثاق الشرف الصحافي بمصر نشر أي إعلان تتعارض مادته مع قيم المجتمع ومبادئه وآدابه العامة أو مع رسالة الصحافة، إضافة إلى أنه يلزم المسؤولين عن النشر بـ «الفصل الواضح» بين المواد التحريرية والإعلانية وعدم تجاوز النسبة المتعارف عليها دوليا للمساحة الإعلانية في الصحيفة على حساب المادة التحريرية. وكثيراً ما وجهت انتقادات لصحافيين من دون ذكرهم بالاسم لإشرافهم على صفحات إعلانية تحمل اسم صفحات متخصصة، تتضمن مادة دعائية على أنها مادة تحريرية عن سلع أو خدمات، خاصة في مجالات شديدة التأثير في القراء، مثل صفحات عن الصحة والعلاج بالأعشاب ومراكز التخسيس والتجميل، وأخرى عن سلع غذائية ومنتجات صناعية، وغيرها عن الإسكان والتصييف والسفر، باعتبار كل تلك المواد الإعلانية الدعائية، المدفوع أجر نشرها، سواء من وزارات حكومية أو تجار ورجال أعمال، مواد تحريرية بذل الصحافي مجهوداً في تحري الدقة بشأن سلامتها وسلامة ما تتضمنه سواء كان طعاماً أو جهازاً منزلياً أو غيرها من السلع والخدمات. وتتلقى جمعيات حماية المستهلك في مصر شكاوى من قراء لصحف صدقوا ما نشرته من إعلان على أنه مادة تحريرية، ومن هذه الجمعيات «الجمعية القومية لحماية المستهلك»، وقالت رئيستها، الدكتورة زينب عوض الله، إن نشر الإعلانات بتلك الطريقة.. «عملية مضللة نعاني منها.. غالبية قراء الصحف المصريين ليس لديهم وقت للتدقيق فيما إذا كان ما هو منشور أمامهم إعلان تجاري مدفوع الأجر أم موضوع صحافي محايد». وأضافت: «آخر الشكاوى كانت عن إعلان نشرته صحف محلية عن نوع من أنواع العسل النادر الذي يشفي من المرض، وظهر بعد استخدامه إنه مجرد عسل عادي لا يساوي 1% مما دُفع فيه من أموال.. القارئ ضحية لمثل هذه الإعلانات، وإعلانات أخرى خاصة بعلاج الضعف الجنسي وعلاج الصلع وعن مراكز لصيانة الأجهزة المنزلية لا علاقة لها بالصيانة، وغيرها»، وبينما قالت إن جمعيتها تقوم بإبلاغ جهات التحقيق المختصة، رغم طول إجراءات التحقيق والتقاضي، أشارت أيضاً إلى أنها تقدمت عدة مرات بشكاوى للصحف لكي تتوقف عن نشر مواد صحافية مضللة للقارئ عن سلع وخدمات مختلفة، إلا أن الأمر يتطلب في رأيها تشريعا يحمي المستهلك من مخاطر الإعلانات المضللة بالصحف.
وتنص لائحة القيد بجداول نقابة الصحافيين بمصر، على أن العمل في الإعلانات، يعتبر من الأسباب التي تفقد العضو (الصحافي) شرطا من شروط العضوية العاملة بالنقابة، إلا إن المجلس الأعلى للصحافة كثيراً ما اتهم نقابة الصحافيين بعدم محاسبة أعضائها الذين يخالفون بنود ميثاق الشرف الصحافي، فيما قال يحيى قلاش سكرتير عام نقابة الصحافيين لـ «الشرق الأوسط» إن الأوضاع الاقتصادية المنهارة للصحف المصرية وتدني أجور الصحافيين كلها عوامل أدت إلى هذه الظاهرة (خلط الإعلان بالتحرير)، موضحاً أن النقابة لا تملك أن تفعل شيئا إلا في حالة تلقيها شكاوى رسمية تتهم أيا من أعضائها بالعمل في الإعلانات. ورفض العديد من رؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات صحف حكومية وحزبية وخاصة التعقيب على الانتقادات التي توجه لصحفهم لخلطها الإعلان بالتحرير، بل إن رئيس تحرير جريدة الأخبار، محمد بركات، قال تعليقاً على ما ذكره التقرير الحقوقي عن صحيفته إن «المنظمات الحقوقية تتلقى الأموال من جهات أجنبية ولا يعنينا ما تنشره لأنها تعمل وفق أجندة تحددها الدول التي تمدها بالأموال». وقال رئيس تحرير صحيفة الجمهورية، محمد علي إبراهيم، لـ «الشرق الأوسط» إن «الموضوعات التسجيلية (الإعلان)» أمر معروف في الصحافة العالمية، وهي موضوعات ليست قاصرة على الشركات أو الجوانب الاقتصادية، لكن العديد من الوزراء يقومون بنشر إعلانات مدفوعة الأجر في صورة حوارات معهم، لتوضيح وجهة نظرهم في قضية ما، لافتاً إلى أن «العرف الصحافي (في مصر)» جرى على أن يكون شكل هذه الموضوعات مختلفا عن الموضوعات التحريرية فقط، وليس بالضرورة أن نكتب أنها «موضوعات تسجيلية» أو «إعلان»!!. وأضاف رئيس تحرير الجمهورية «إن قانون الصحافة المصري لم يحدد الطريقة التي يجب بها فصل الإعلان عن التحرير، ولم يشترط كتابة «موضوع تسجيلي» أو «إعلان»، على الإعلان مدفوع الأجر، مشيراً إلى أن صحيفته ما زالت تنشر الإعلانات بتلك الطريقة، وقال: «أنا كرئيس تحرير لا يمكنني رفض إعلان يأتي بالأموال للمؤسسة، إلا إذا كانت هناك أسباب أمنية أو ما شابه».