Skip links

ملكية وسائل الإعلام وأثرها على الحرية الصحفية وأزمة المعاير

منذ زمن لم يتم التطرق الى ملكية الحكومة لوسائل الإعلام وخاصة الصحف اليومية منها حيث وعدت حكومات متعاقبة بالتخلص التدريجي لهذه الملكية أو تخفيضها لمنح هذه الصحف بشكل خاص والاعلام بشكل عام مزيدا من التحرر والاستقلالية, وتقديم نموذجا لمسيرة الاصلاح في الأردن, وللأسف ذهبت هذه الوعود والخطط أدراج الرياح والمكاتب .

ونحن ننظر كإعلاميين الى هذا الموضوع بإهتمام بالغ لما له من آثار على الحرية الصحفية و معايير المهنة و فتح المجال للرأي والرأي الآخر دون التعرض لضغوط أي جهة , و أقول أي جهة أي ليس الحكومة فقط بل ممكن أن يلحق الأثر السلبي من جهة أخرى ذات سيطرة عائلية أو شخصية على الملكية, لكن هذا الاهتمام لم ينعكس الى تحرك جاد وممارسة الضغوط المنظمة والفاعلة باتجاه ذلك . وحقيقة أن الذي أثار هذا الموضوع ودعاني للكتابة حوله هو الضجة الكبيرة في الولايات المتحدة الامريكية و بريطانيا لتملك الملياردير الأمريكي والاسترالي الأصل روبرت ميردوخ صاحب الامبراطورية الاعلامية "نيوز كورب" لصحيفة الوول ستريت جورنال العريقة بعد تعرضها لأزمة مالية وهي الصحيفة ال175 التي يمتلكها حيث لاقت هذه الصفقة اعتراضات ومخاوف من الوسط الصحفي هناك لتأثيرها على المعايير المهنية والصحفية وتعرض النزاهة والشفافية للأداء الإعلامي لشئ من الخلل .وقامت حملة لعدد من الكتاب والأقلام المشهورة تعبيرا عن تخوفاتهم كذلك دعت المنظمات الصحفية المعنية لمقاومة تأثير هذه الملكية على الأداء المهني , مما أجبر ميردوخ من اتخاذ اجراءات للحد من هذه المخاوف وذلك بالوعد بتأسيس هيئة ادارية مستقلة من الوسط الصحفي لتحديد استراتيجية الصحيفة ومراقبة تطبيق المعايير المهنية فيها .

وفي إسقاط هذا التحرك للوسط الصحفي الأمريكي والبريطاني (حيث يمتلك ميردوخ العديد من وسائل الإعلام البريطانية والأمريكية مثل التايمز اللندنية ومحطة فوكس نيوز وغيرها) على مستوى الأفراد والمنظمات على النموذج الأردني وسأستعرض حالات وأمثلة بشكل خاطف ومختصر لحالات محددة من وسائل الإعلام الأردنية وأثر الملكية على أدائها وخاصة في الأزمات التي يزيد الإهتمام المتبادل بين أطراف المعادلة الإعلامية خلالها وتحشيد الرأي العام باتجاه موقف معين ونظرة القراء اليها وخاصة النخبة الثقافية والسياسية والاقتصادية وأشير الى أن هذا الاستعراض للنموذج الاردني ناتج عن استقراء ذاتي ومتابعة للإعلام الأردني وتطوراته على منهج الملاحظة وليس المنهج العلمي المعتمد على البحث بأصوله ومعاييره , حيث أن هذا الموضوع يحتاج الى مزيد من البحث والتقصي والخروج بنتائج علمية وبشكل أدق .وهذه الوسائل هي صحيفة الرأي والتلفزيون الأردني كنموذج لأثر ملكية الحكومة , وصحيفة الدستور و صحيفة الغد كنموذج لملكية العائلة والأفراد ,والتي سيتم الحديث عنها بشكل مفصل في مقال لاحق دون انتقاص لريادتها ودورها في تطور الإعلام والصحافة في الأردن ودور مؤسسيها الأفاضل الذين ننحني لنضالهم وتضحياتهم وتخريجهم لأجيال من الصحفيين والاعلاميين ولكن نسعى من الملاحظات النقدية لاستعراض هذه الملكية لوسائل الإعلام من الوصول إلى الأفضل والأمثل والارتقاء بالمستوى والأداء المهني وإعطاء صورة عن الواقع الحالي حتى تصل المهنة إلى معايير أعلى وحرية سقفها السماء ضمنها , وخاصة أن منحنى الإعلام الأردني بشكل عام ليس بأفضل حال وهناك اختلالات هيكلية تحتاج الى الكثير من الاصلاح (حسب تقارير داخلية وخارجية وتصريحات حكومية!)وباعتقادي أن حل مسألة الملكية الحكومية لهذه الوسائل والتخفيف من أثرها هو أحد الحلول الهامة إضافة الى الحلول الأخرى المتمثلة بتطوير التشريعات وخاصة بحق الوصول إلى المعلومة كذلك تطوير أداء الإعلاميين وتطوير مفهوم الإدارة الإعلامية واتباع الأسلوب العلمي في التحديث والتطوير.

وقبل الدخول الى استعراض هذه النماذج أشير إلى أن هناك عزوفا عاما من جانب الإعلاميين والصحفيين في معالجة هذا الجانب والتطرق إليه كذلك من هيئاتهم التمثيلية في تبني هذا الدور وتشكيل لوبي ضاغط للتخفيف من أثر هذه الملكية وتقليصها ,رغم حديث المجلس الأعلى للإعلام عن الموضوع لكن دفاعه عن دوره وضرورة وجوده كجهة مراقبة الجودة وتقديم الاستشارات أضعف هذا الدور وتأثيره كما أن أدوار منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية المعنية باستقلال الإعلام وزيادة اعتماديته على نفسه هي متواضعة أو مازالت تتلمس خطواتها في هذا المجال وتقوم بمحاولات وأنشطة ذات حجم صغير وتأثير قليل للتوعية بمخاطر تدخل الملكية بالمعايير والأداء الصحفي .

تمثل صحيفة الرأي نموذجا صارخا لأثر الملكية الحكومية من خلال الأذرع الاستثمارية من المؤسسة الأردنية للأستثمار والضمان الإجتماعي على أدائها وأثرا واضحا على توجيهها للرأي العام باتجاه يخدم أهداف ورؤية الحكومة حيث يصف البعض صحيفة الرأي بالناطق الرسمي باسم الحكومة وخاصة في الأزمات , وهذا لايختلف عن النموذج الأمريكي حيث أن ميردوخ قريب جدا من الرئيس بوش ويتبنى فكر المحافظين الجدد وصرح في أكثر من مرة وقوفه ومعظم امبراطوريته مع توجهات بوش في المنطقة وخاصة العراق .كما أنه من الملاحظ أن بعض الكتاب في الرأي بأسمائهم الصريحة أو تحت إسم المحرر السياسي أو الإقتصادي يمهدون لبعض القرارات الحكومية الهامة والاستراتيجية رغم اتباع هذا الاسلوب في العالم الغربي ومثال ذلك قرارت تعديل(رفع) الأسعار لبعض المواد أو الخدمات وخاصة التي لها أثر على الوضع الاقتصادي للمواطنين مثل المشتقات النفطية . كما لأزمة الانتخابات البلدية بين الحكومة والحركة الاسلامية مثلا حيا يحتاج الى دراسة علمية حيث أن مقارنة تغطية الصحف الأخرى لتبعات الأزمة مع تغطية الرأي يلاحظ تباينا واضحا التي انتفضت فيه لتدافع عن وجهة نظر الحكومة بشكل مستميت وبشكل يهاجم الطرف الآخر بحدة وبشدة بغض النظر عن مشروعيته وصواب مواقف الحكومة , إلا أنه شكل خروجا عن المألوف والموضوعية الصحفية والتغطية المتوازنة ولم يكن مجمل تعامل الرأي مع الأزمة موفقا حسب بعض المتابعين حيث خلق أثرا عكسيا (Fire back) وفي وصف أحدهم أن الحكومة عاجزة عن الدفاع عن مواقفها بشكل علمي مدروس وهذا انعكس على صحيفة الرأي وأدائها خلال الأزمة , وبالرغم من ريادة وقيادة صحيفة الرأي للسوق الاردني من حيث التوزيع والإعلان فإن التأثير المتراكم لتكرار مثل هذه الحالات في الترويج للحكومة في أزماتها سيؤثر حتما على حصتها السوقية مستقبلا ولو بشكل بطئ ونشير هنا الى عدم وجود منافسة حقيقية مبنية على أسس تسويقية في الوقت الحالي من صحف يومية أخرى .وهذا يبين أثرا آخر لملكية الحكومة في وسائل الإعلام غير التأثير السلبي المتوقع والملاحظ على المعايير الصحفية والموضوعية حيث من الضروري احترام عقل القارئ دائما حيث أن القارئ قد يقبل دفاع الحكومة عن فكرة أو قرار لو تم تناولها بشكل موضوعي ومتزن وغير مغالي في الخطاب .

أما بالنسبة للتلفزيون الأردني فإنه من المنطقي أن تمتلكه الحكومة لاكن أن يكون إعلام دولة بكل مكوناتها وان تكون لديه المعايير الكافية لتحقيق حصة مناسبة أو الحفاظ على مشاهديه. وبرغم تدهور حال التلفزيون نتيجة أسباب لاعلاقة للحكومة بها منها التطور الكبير للفضائيات ذات الميزانيات الضخمة وسيطرتها على نسبة كبيرة من المشاهدين الأردنيين , إلا أن المتابع للتلفزيون الذي لايحتاج الى مزيد من الجلد والنقد يفتقر الى الكثير من المعايير المتبعة في العمل التلفزيوني وتبعد تغطيته عن مواضيع الشارع ويعمل بحساسية فائقة مع معظم المواضيع , ويفتقد الى الاستقرار الاداري الهيكلي ابتداء من مجلس الإدارة الذي تغير عدة مرات خلال ثلاثة أو أربعة أعوام إضافة الى تبدل مديره العام مما يفقد التلفزيون صفة الاستقرار الاداري وينعكس بالتالي على تنفيذ أية خطة اصلاحية .

وإن ظهور محطة تلفزيونية أردنية أخرى(atv)  تعمل دون الحساسيات أعلاه و التحرر من تراكمات ثقافة تلفزيون الحكومة الرسمي والعمل على أسس تجارية وتسويقية بحتة ووبرامج تقييمها عالي حسب الملاحظات الأولية واستقطابه كفاءات التلفزيون الأردني وغيره يزيد من تحدياته ويجعل دوره ومهمته صعبة ويصبح بحاجة الى جراحة عميقة أو أن يصبح مصيره كمصير عمر الحكومات الأردنية.وإن أزمة تلفزيون الغد وتأجيل انطلاقته بغض النظر عن الأسباب والظروف تمثل من منظور آخر الأثر لتدخل الحكومة ودوائرها في هذه الأزمة حتى دون وجود ملكية لها ويتحدث المتابعون عن الشكوك في نوايا الحكومة في موضوع الإصلاح و تحرير الإعلام وتعزيز الشفافية .

الاعلام الاردني أمام أزمة معايير نظرا لأثر الملكية وسلطة الصحافة تصبح منقوصة دون الدفاع عنها وعن استقلاليتها والصحافيين الأردنيين أمام تحديات كبيرة وهم أولى بالتصدي لها وأهل مكة أدرى بشعابها .