Skip links

نقيب الصحفيين التونسيين: درب الحرية طويل

العربي الجديد-

بينما تشارف مدته النقابية على الانتهاء بانعقاد المؤتمر المقبل للنقابة الوطنية للصحافيين التونسيين في نهاية شهر إبريل/ نيسان المقبل، يبدو الحوار مع نقيب الصحافيين التونسيين ناجي البغوري ضرورياً للحديث عن تقييمه لمدة توليه رأس النقابة الأبرز في تونس بعد الثورة. إلى جانب التطرق إلى أوضاع الإعلام التونسي الذى يمرّ بفترة مخاض صعبة وتحولات كبرى. ومن تونس إلى العالم العربي حيث يبدو وضع حرية الصحافة في خطر أيضاً، خصوصاً في الدول المجاورة مثل مصر، على وجه الخصوص. 

يبدأ البغوري حديثه مع “العربي الجديد” بالتأكيد على رضاه عن فترة ترؤسه النقابة والإنجازات التي حققها مع أعضاء المكتب التنفيذي للنقابة قائلاً: “عملنا طيلة السنوات الثلاث الماضية تركز حول همّ أساسي وهو كيفية توفير كل الضمانات العملية والقانونية للحفاظ على مكسب حرية الصحافة الذى يعتبر من أهم مكاسب الثورة التونسية. وتحقيق هذا الهدف تمّ من خلال خطوات كثيرة، ومنها المساهمة الجدية من قبل النقابة في صياغة قوانين تساعد الصحافيين على أداء عملهم وتضمن لهم استقلاليتهم وحريتهم مثل قانون حق النفاذ للمعلومة والتصدي لقانون محاربة الإرهاب وغيرها من القوانين”.

ويضيف “لكن ذلك لم يمنعنا من إيلاء الجانب الاجتماعي أهمية في عملنا لإدراكنا أن الهشاشة الاقتصادية التي يعاني منها الكثير من الصحافيين، خصوصاً الشباب منهم، قد تكون مدخلا لعودة الاستبداد وضرب حرية الصحافة لذلك كنّا حريصين على الاهتمام بهذا الجانب المهم والتصدي لكل الضغوطات والاعتداءات التي يتعرض لها الصحافيون أثناء ممارسة عملهم”. 

أما عن اتهام البعض للنقابة بأنها دخلت في معارك سياسية لا تخدم الصحافيين التونسيين فقد كان جواب ناجي البغوري قاطعاً حيث نفى هذه التهمة، مبيناً أن “النقابة لم تدخل يوماً في معارك سياسية، والدليل أنها كانت تقف على الحياد في الانتخابات التشريعية والرئاسية التي عرفتها تونس سنة 2014، لكن في مقابل ذلك إذا كان البعض يعتبر أن الدفاع عن حرية الصحافة والدفاع عن المكاسب الاجتماعية للصحافيين والدفاع عن استقلالية المرفق العمومي (المؤسسات الإعلامية الرسمية) معارك سياسية فهذه وجهة نظرهم التي تعارض الحقيقة”. 

وفي الإطار نفسه يكمل قائلاً “نحن نخوض معركة حرية الصحافة ومعركة تحصيل مكاسب اجتماعية للصحافيين آخرها الاتفاق مع الحكومة التونسية لتخصيص خمسة بالمئة من عشرين مليون دينار تونسي (10 ملايين دولار أميركي) هي عائدات الإعلانات التجارية الحكومية لفائدة تعاونية للصحافيين وإقامة مشروع سكني لهم”. 

 وطيلة حديثه يبدو إصرار النقيب واضحاً على ملفّ حرية الصحافة بشكل يدعو للتساؤل: هل هناك تهديد حقيقي لهذه الحرية في تونس من قبل الحكومة الحالية؟ “في أعرق الديمقراطيات الغربية يوجد من حين إلى آخر صراع بين النقابات والحكومات حول حرية الصحافة، خصوصاً في ظل ضغط المال وخاصة الفاسد منه، فكيف الوضع إذاً في ديمقراطية هشة مثل التي نعيشها في تونس؟ نحن لا نزال في مرحلة انتقال ديمقراطي، وهذا الانتقال يتمّ الجزء الأكبر منه في وسائل الإعلام التي تكون فضاء للتعبير للجميع بمن فيهم السياسيين الذين ما يزالون هم الآخرون يتدربون على الديمقراطية وحرية الصحافة والدليل على ذلك أنك توصف بالصحافي الجيد كلما انتقدت الخصم السياسي وتتحول إلى صحافي رديء كلما نقدت أو كشفت ملفات فساد لطرف ما”. 

ويبدو أن تهافت رجال المال على شراء وسائل الإعلام التونسية يطرح أكثر من سؤال على نقيب الصحافيين التونسيين حيث يقول “تهافت رجال الأعمال على شراء وسائل الإعلام التونسية ليس عيباً شرط أن يكون معلناً وغير سري وألا يتدخل من يشتري وسيلة إعلام في خطها التحريري ويوجهها لخدمة أغراض معينة”. ويشير إلى أن “الخوف من عمليات الشراء هذه أن يدخل مالكوها في تصفية حسابات ضيقة باستغلال وسائل الإعلام هذه دون احترام للمعايير المهنية واحترام أخلاقيات المهنة الصحافية”. البغوري لا يخفي استغرابه من بعض وسائل الإعلام التي تمّ شراؤها من قبل رجال أعمال، فهي “تعمل منذ سنة أو سنتين دون إعلانات تجارية، وهو ما يطرح بعض الأسئلة حول مصادر دخلها وعلاقاتها برجال أعمال فاسدين”. 

هذا الواقع الذي تعيشه بعض وسائل الإعلام الخاصة تجعل الإعلام العمومي (الرسمي) أكثر من ضروري في نظر البغوري فهو يرى أن “خصخصة الإعلام العمومي قمة الغباء، رغم أن الحكومة الحالية تحاول إضعافه وذلك بإجراء حوارات لرئيس الدولة ورئيس الحكومة مع قنوات خاصة، لكنهم لا يدركون على ما يبدو أن هذا الإعلام هو قاطرة لأي إعلام حرّ وتعددي وديمقراطي، لأنه إعلام يمول من قبل دافعي الضرائب ولا يخضع لسلطة ممول معين”. 

ويضيف: “الإعلام العمومي (الرسمي) هو الأساس في أية ديمقراطية والمرجع في المصداقية، شريطة توفر ثلاث شروط رئيسية وهي وضع استراتيجية وبرمجة واضحة من قبل المشرفين عن الإعلام العمومي، وتحديد مدة زمنية لعمله، ودعمه بميزانية لتحقيق الاستراتيجية التي المرسومة لهذا الإعلام، وهي استراتيجية يجب أن تدفع نحو إعادة هيكلة الإعلام العمومي لإضفاء مزيد من النجاعة على عمله والتخلص من الحمل البشري الثقيل الذى يعاني منه وخاصة التلفزيون التونسي والإذاعة التونسية وهما مؤسستان إعلاميتان عريقتان في تونس”. 

الوضع إذاً ليس كما يتمنى الكثيرون، والنضال حول حرية إعلام تونسية شاملة يبدو طويلاً “أملي اليوم هو في إنشاء جبهة وطنية تضم النقابات الإعلامية وجمعية مديري الصحف وغيرها من المنظمات المهنية والحقوقية التونسية من أجل الدفاع عن حرية الصحافة والتعبير والدفاع عن المهنة الصحفية ، فنحن في منعرج إما أن نخلق تقاليد في حرية الصحافة أو نكتفي بواجهة لحرية الصحافة تتحكم فيها رؤوس الأموال والسلطات الرسمية دون ممارسة فعلية لحرية الصحافة في معناها الفعلي”. 

ومن تونس إلى مصر التي لا يوفّر البغوري فرصة إلا ويحاول إصدار بيان أو تعليق داعم لحرية الصحافة هناك، وشاجب للقمع الذي يتعرضّ له الصحافيون المصريون. قمع يصل حد السجن الظالم من دون أي تهمة حقيقية. 

لكن هذا الدفاع عن الصحافيين المصريين جعل البعض يتهمه بأنه ينفذ أجندة سياسية للإخوان المسلمين وهو ما نفاه بالقول “أنا أدنت أيضاً ما يتعرض له الصحافيون الأتراك من تضييقات ومن اعتداءات من قبل السلطات التركية، وبالتالي فهذه التهمة مردودة على من أطلقها، لكن منطلقي في الدفاع عن الصحافيين المصريين هو أولاً إيماني بحرية الصحافة مبدأ لا أحيد عنه، وثانياً لاعتقادي بالدور الذى يمكن أن تلعبه مصر خاصة. وأنا لن أنسى التضامن والدفاع من قبل الزملاء المصريين على الصحافيين التونسيين إبان فترة الحصار والتنكيل التي كنا نتعرض لها قبل الثورة”. 

ويضيف: “كما أن للواقع المصري ارتدادات على كامل المنطقة العربية فنحن نتحدث عن بلد محوري له ثقل في المنطقة العربية وقد يؤدي التراجع عن حرية الصحافة في مصر إلى عدوى في تونس، وهو ما نحتاط منه وكلنا يقظة لمجابهته دفاعاً عن حرية الصحافة وعن الصحافيين”. 

ناجي البغوري ختم لقاءه مع “العربي الجديد” بالتأكيد على ارتياحه وبقية أعضاء المكتب التنفيذي للنقابة لما أنجزوه دون ادعاء الكمال في ما قاموا به، لكنهم اجتهدوا في الدفاع عن حرية الصحافة وعن الصحافيين في تونس وفي بقية العالم العربي، وفق ما يقول.

Leave a comment