طارق أبو زيد.. حين تكون حرية الصحفي سقفها الزنزانة

 المركز الفلسطيني للإعلام-

أن تكون صحفيًّا في فلسطين، فهذا يعني أنك معرض لكل أشكال الملاحقة والتضييق المزدوج، لكن هناك من الصحفيين من تكون المضايقات والملاحقات جزءًا من حياتهم اليومية.. أحد هؤلاء الصحفيين هو طارق أبو زيد مراسل قناة الأقصى الفضائية.

الصحفي أبو زيد اعتقله جهاز المخابرات العامة مساء الاثنين (16-5) بعد مداهمة منزله في مدينة نابلس، وبعد يوم من اعتقاله، مددت النيابة توقيفه 48 ساعة من أجل استكمال التحقيق معه بتهمة “نشر أنباء كاذبة تمس هيبة الدولة”، ثم أصدرت المحكمة يوم الخميس الماضي قرارًا بتمديد توقيفه 15 يومًا.

الصحفية ليلى حمارشة، التي تعاملت مع الصحفي أبو زيد كزميل لها تؤكد لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام” أنه معروف في الوسط الصحفي بمهنيته ومصداقيته العالية، فهو يتحقق من مصداقية الخبر من أكثر من مصدر قبل نشره.

وتستغرب حمارشة من التهمة الموجهة له، مشيرة إلى أن جل عمله يتركز على نقل أخبار اعتداءات الاحتلال المختلفة وكذلك الانتهاكات التي تمارسها الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهي أمور حقيقية على الأرض ولا يختلقها، مضيفة: “للأسف أصبح سقف حرية الصحفي هو سقف الزنزانة”.

وتشير إلى أن أبو زيد يتعرض منذ عام 2007 للاعتقالات والملاحقات من قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية على حد سواء، وكان مطلوبًا للأجهزة الأمنية لمدة سنتين بعد الانقسام.

وتقول إن مراسلي قناة الأقصى في الضفة الغربية وعددهم خمسة صحفيين، تعرض أغلبهم للاعتقالات والمساءلات المباشرة وغير المباشرة، من الاحتلال والأجهزة الأمنية.

مضايقات إضافية

وتتحدث حمارشة عن مضايقات إضافية يتعرض لها مراسلو قناة الأقصى، زيادة على ما يتعرض له زملاؤهم الصحفيون الفلسطينيون بشكل عام من تضييق.

وتقول إنهم ممنوعون من عمل “ستاند باك” في نهاية تقاريرهم المصورة، أو الخروج عبر القناة بصفتهم مراسلين لها، وإنما كزملاء صحفيين، كما تُمنع شركات البث من تقديم الخدمات لهم، وهذا ما يحد من قدرتهم على ممارسة عملهم بالشكل المطلوب.

ومع ذلك، تؤكد حمارشة إصرارها وزملائها على القيام بواجبهم الصحفي، وتقول: “نحن مُصِرّون على إيصال صوتنا وصوت شعبنا، ونقل صورة اعتداءات الاحتلال وانتهاكات الأجهزة الأمنية”.

وتبين أن المضايقات لا تقتصر عليهم وحدهم؛ بل تمتد إلى من يجرون معهم مقابلات، ما يدفعهم أحيانًا إلى عدم نشر المقابلات تجنبًا لما قد يتعرض له أصحابها من ملاحقات ومساءلات.

وعبرت حمارشة عن استيائها من موقف نقابة الصحفيين التي تأخرت بالتعامل مع اعتقال أبو زيد.

وتضيف: “بعد خمسة أيام من اعتقاله، صدر بيان عن النقابة فيه تحيّز لطرف على طرف، وتحدث عن “اختطاف” صحفي في غزة على يد “أجهزة حماس”، مقابل الحديث عن استدعاء للصحفي أبو زيد”.

وتوضح أن بيان النقابة تجاهل حقيقة أن اعتقال أبو زيد تم بعد مداهمة بيته عند منتصف الليل، وتفتيش البيت بدقة، وتفتيش جسدي لأبي زيد، ومصادرة أجهزة الحاسوب والجوال وأوراق تخص عائلته، منها تأمين صحي وتحويل لوالده، وتم التحقيق معه حول عمله الصحفي.

ضريبة الإخلاص

المهنية العالية والإخلاص بالعمل الصحفي، كان علامة مميزة للصحفي أبو زيد الذي دفع من حريته وراحته ثمنًا باهظًا لها.

أستاذ علم الاجتماع والمحاضر في جامعة النجاح مصطفى الشنار وصف أبو زيد بـ”الإعلامي المميز والمنتمي”.

ويقول الشنار، الذي تعرض هو ونجله للاعتقال على يد الاحتلال عدة مرات لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”: “أبو زيد كان أول من يسأل إذا حلت بساحتنا نائبة.. يأتي ليوثق آثار الاحتلال الهمجية، ويعد تقريره المميز، تجده دائمًا حيثما ينبغي أن يكون، حين ينشغل البعض بالتوافه من الأخبار والأحداث”.

ويضيف: “كانت كلماته، لصدق توصيفها، تدخل القلوب بلا إذن، وتفعل في النفس مفاعيلها”.

ويُكبِر الشنار في أبو زيد أنه لم يجمّل صورة المحتل يومًا، ولم ينافق أصحاب النفوذ ومراكز القوى في الوطن، ولم يتعود أن يخلع على أحد لقبًا لا يستحقه، بل كان صحفيًّا وإعلاميًّا صادقًا وطنيًّا بامتياز، فدفع ثمن صدقه خلف قضبان الاحتلال مرات عديدة”.

وأعرب عن أسفه بقوله “اليوم يغيبه أبناء الوطن عن نقل صورة الوطن تحت الاحتلال بلا رتوش ولا مكياج، بحجة أقبح من الاعتقال السياسي ذاته (المس بهيبة الدولة)!”.

أما الناشطة الإعلامية في مجال الدفاع عن الأسرى، أمينة الطويل، فلا تنسى لأبو زيد اهتمامه بنقل معاناة الأسرى وذويهم.

وتقول لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام”: “حسب ما أعرف عن الأخ الصحفي طارق الذي عرفته في عدة مقابلات لصالح قناة الأقصى في أحداث تخص شؤون الأسرى، كان دائمًا شديد الحرص على المصداقية في نقل الخبر دون مبالغة، ولا يخجل من إبلاغ الضيف بذلك”.

وتضيف: “أشهد له أنه صاحب شعار (الصدق والمصداقية أساس العمل الصحفي الناجح)”.

 

“أين أبي؟!”

طارق الأب لطفل رضيع وطفلة في الرابعة من عمرها، اعتاد على الملاحقات والاعتقالات، لكن اعتقاله من بيته شكل صدمة لطفلته التي أبدت مع ذلك شجاعة منقطعة النظير.

وتقول “أم أسامة” زوجة الصحفي أبو زيد لمراسل “المركز الفلسطيني للإعلام” إن ابنتها استيقظت على أصوات أفراد المخابرات، فسألتهم بكل براءة وعفوية وجرأة: “ليش معكم سلاح؟ بدكم تطخونا؟”، فأجابها أحدهم: “احنا ما بنطخ حدا”، فأجابته قائلة: “لأ انتوا بتطخوا على الناس، وأنا شفتكم على التلفزيون”.

وتوضح “أم أسامة” أن اعتقال زوجها أمام عيني ابنتها، ترك في نفس الطفلة أثرًا نفسيًّا، فأصبحت تصاب بالذعر كلما سمعت جرس البيت.

وتضيف: “كلما استيقظَتْ من النوم تسألني عن أبيها، فأقول لها إنه لم يعد بعد، فتتساءل: لماذا اعتقلوه مع أنه لم يرتكب أي فعل يستحق ذلك؟”.